Feb 11, 2017

الحب و القمامة




أذهب إلى المكتبة لعلّي أجد كتاباً يستحق القراءة، أريد أن أضيع بين دفّتين من اللغة، من الفِكر، من الإبداع من الشِّعر، من الفلسفة، من الذوق، من العلم، أو من الثقافة. أجد كومة من الكتب بالعناوين التالية: أحببتها كثيراً، أحببتك ولكن، أحببتك أكثر من ما ينبغي، حبيبتي بكماء، لن أحبك بعد اليوم، سأظل أحبك، أحببتك بالأمس، سأحبك، حب، حب، حب.

أخرج من المكتبة فارغة اليدين، أكوام القمامة تملئ الشوارع، الروائح الكريهة تقشعر لها الأبدان، همجية قائدي السيارات وأنانيتهم في الاستحواذ على الطريق، عامل النظافة الفقير ذو الوجه المكفهر الكئيب، يجمع القمامة طوال اليوم. النفايات تطفو من أسطح البراميل وتتساقط على رؤوس القطط المشردة. القطط المشردة متخمة وغير قادرة على الجري.

قائدي المركبات في حالة تسابق مستمر، وجوههم عابسة، غاضبة من خلف الزجاج المُغيّم من المركبات الفخمة، التي بدورها تلمع من عدد المرات التي قامت بها الخادمة الفقيرة الضئيلة بمسحها، ومسحها، ومسحها حتى كادت أن تنزع طلائها الثمين. قائدي المركبات الباهظة الفارهة في حالة غضب مستمر، يدوسون على البنزين كأنهم في حالة حرب ضد ألدّ أعدائهم، يقضون حياة بأكملها في حالة عجل، حياة بأكملها من دون وجهة ولا غاية.

الرجل الكويتي البدين، الساذج، التافه، السطحي، المادي يقود سيارة كبيرة، ذات عجلات ضخمة، ليعوّض عن شيءٍ ما، عن نقصٍ ما، عن فراغٍ ما، عن عذابٍ ما.

الفتاة الكويتية فارغة العقل، بارعة جداً في فن المكياج، تتقن كتابة الرسائل القصيرة، وتصوير الفيديو أثناء قيادة سيارتها الفارهة، تريد أن تشعر بقيمةٍ ما، بمعنى ما، أن تحظى باعتبارٍ ما، بأهميةٍ ما.

الأسواق مزدحمة، المحلات بواجهاتها اللامعة، تغصُّ بمنتجات ملوّنة يسمونها حاجات. المطاعم مكتظة بأفواه جشعة مفتوحة، بأعينٍ جاحظة تنظر لكل من حولها، دون أن تنظر لمن يجلس معها، امامها، يخاطبها. وجوهٌ مثقلة بالمساحيق، مرعبة بألوانها وأقنعتها: "أنظروا إليّ، أنظروا إليّ، أنظروا كيف أجعلكم تنظرون إليّ وكيف أتقن تمثيل اللامبالاة بنظراتكم وآرائكم بي"

أكوام القمامة تعلو، تصيرُ جبالاً، نحتاج فقراء أكثر، ليس لدينا ما يكفي من الفقراء، استقدموا الفقراء، ليحملوا وساخة الأغنياء، ليزيلوا قمامتنا. أحضروهم من بلادهم الغريبة، ولغاتهم المضحكة، وأحجامهم الضئيلة نتيجة الجوع، والفقر والخوف والمرض، شرّدوا أولادهم، باعدوهم عن أوطانهم وأحلامهم وأحبابهم وأهليهم. أحضروهم هنا ليصففوا أحذيتنا، ويمسحوا بيوتنا الرخامية، ومؤخرات أطفالنا الذين نحبهم لكن نكره أن نلامسهم، أحضروا الخدم ليطهو طعامنا، ثم ليأكلوا فضلاتنا، وليحمدونا ويشكرونا كثيراً على ما نعطيهم إياه، على كرمنا وجودنا، عندما نعطيهم ملابسنا القديمة المهترئة وفضلاتنا، وأسوأ، أصغر، أقرف غرفة في منازلنا لينامون فيها. ولا نعرف كيف ننطق أسمائهم فنسميهم بأسماء غير أسماءهم، وليمسحوا الحمامات، والطاولات، والكراسي، وعندما ننجب طفلاً تعيساً، عندما نأتي بطفلٍ بائس إلى هذه الدنيا المليئة بالظلم والكره، والحروب والمرض، فليربوه لنا أيضاً، لأننا في عزِّ تفاهتنا، وترفنا، وغباءنا، وتخمتنا، وفراغ عقولنا، ووساخة قلوبنا، واندثار أخلاقنا، وانحدار ديننا، وعلوِّ نرجسيتنا، وانتفاخ عنجهيتنا، وارتفاع ماديتنا، نسينا كيف تكون التربية.