Jul 31, 2017

انعدام الرجولة وانتشار الذكوريّة 3




كنتُ في محكمة المهبولة، أكثر الأماكن في العالم بؤساً. محكمة المهبولة، ليست محكمة بالمعنى الصحيح، بل مجموعة من العمارات السكنية التي تحيطها القمامة، كل بناية مكوّنة من عدة أدوار، وفي كل دور عدد من الشقق. والشقق ذاتها هي قاعات التقاضي ومكاتب الموظفين الإداريين. في هذا البلد البائس الخالي من التخطيط السليم، أو القرار الصائب، يتم تحويل بنايات سكنية، في منطقة سكنية مكتظة، لا تحوي حتى على مواقف للسيارات إلى محاكم!

وقفتُ في الدور الخامس من المحكمة الكلية، حيث يوجد ممر بين كل قاعة محكمة (أو شقة وفقاً للتخطيط الأصلي للمبنى). كنتُ أنا وعدد هائل من الناس: محاميين، مندوبين، رجال أمن، والمتقاضيين، ننتظر حاجب الجلسة ينادي على رقم قضايانا، لندخل غرفة المحكمة ونقف أمام القاضي.

لاحظت من بين الناس (ولم يكن من الصعب ملاحظتهم) امرأة تنتظر دورها وتنظر للأرض خوفاً وخجلاً، وتغطي وجهها بنظارات شمسية كبيرة، ورجل يبدو وكأنه زوجها يخاطبها بأسلوب فيه الكثير من التحقير والازدراء! كان يردد ذات العبارات بعنف و حِدّة واضحة للجميع: "يلاّ امشي جدامي"، "يلاّ ردي البيت وياي، يلاّ خلصينا"، "يلاّ جدامي"، "يلاّ عن الخرابيط.. يلاّ"

كلاهما بدا في الخامسة والأربعين من العمر، والمرأة لا ترد عليه، بل تنظر للأرض فقط، وتحاول الابتعاد عنه قليلاً لكن بسبب الزحام، وبسبب ضيق المكان لم تستطيع الفرار منه.

بالرغم أنني كنت خائفة، إلاّ أنني لم أستطع الوقوف، بلا ردّة فعل. معاملتهُ الدونية لها وطريقتهُ في تحقيرها ودفعه لها لتترك المحكمة، حيثُ بالتأكيد جاءت للمطالبة بحق من حقوقها، جعل دمي يغلي غضباً، الكل كان يسمع ويرى ما أسمعه وأراه أنا، ولم يتدخل أحد بالرغم من وجود الكثير من الرجال. اتجهت إليهم وخاطبتها هي أولاً:

"أختي، هذا الريّال مضايقج؟"

(رفعت رأسها باتجاهي، لكن لم ترد، من شدّة الخوف والحَرَج)

فخاطبتهُ هو:

 "انت قاعد اتضايقها؟"

(رد عليّ يصرخ غاضباً)

"زوجتي، قاعد أتفاهم معاها، أنتي شكو؟"

"التفاهم معاها كان له وقته ومكانه، في البيت. بس لما زوجتك توصل لمرحلة رفع دعوى في المحكمة، معناها خلاص، ما عاد في مجال للتفاهم، وبأنها يأست منّك ومن التفاهم معاك. والأمر الحين كلّه في يد القاضي، إِنت مالك أي كلمة، أو رأي، أو حق"

(كان قلبي يخفق بشدة وكنت خائفة جداً، حيث كان شكله مخيفاً، بشعاً، عيناه جاحظتان، حمراوان، ذو وجهه مِسْوَد، كان يتصبب من العرق من شدّة الإنفعال. زاد غضبه وقال بسخرية واحتقار)

"وانتي شدراّج إن مافي مجال للتفاهم، تعرفيناّ؟ نعرفج؟ انتي شكو؟ يلا يبا توكلي، يلا روحي لا تدخلين"

"ما اسمح لأي ريّال، أو بالأصح لأي ذكر مثلك يهين أي مرأة،.زوجتك يت هني اتطالب بحقها و ما راح تطلع من هني إلاّ ماخذه حقها، و إذا كلمتها أو هددتها مرّة ثانية راح اتصل بالشرطة ياخذونك"

(سمعت بعض النساء الواقفات حولنا يقولون بصوت خافت "إيي والله صاجة"، وبعض الرجال يقولون بصوت خافت من بعيد جداً كأنهم يريدون التدخل ويخشون العواقب، "يا جماعة قولوا لا الاه إلا الله". كان يحدق بي بشده، وكراهية، وطغيان، وكنت أٌعيد التحديق به، ليفهم أنني لستً خائفة وبأنني لن أتنازل. فضحك ضحكة ساخرة و ردّ علي بقمة الإزدراء)

"يلا اتصلي بالشرطة، الظاهر انج مينونة (أطلق ضحكة ساخرة أخرى، أشار إليّ بيده وخاطب زوجته) هاذي معقدة مسكينة! الظاهر تبيج اتوكلينها بالقضية (ضحكة ساخرة أخرى) تبي تستفيد مسكينة!"

(لم أزيح نظري عنه، واستمريت يالتحديق به متحديّة وردّيت عليه بنفس الأسلوب الساخر)

"مو كل الناس مثلك بس يفكرون بمصلحتهم الشخصية"

(بدأ يمسح العرق من جبينه بيده، ويمسح يده بدشداشته، ولازال العرق يسقط على وجهه ويزداد غزارة)

نظر لزوجته وقال: "شفتي شلون فشلتينا؟ فضحتينا جدام الناس؟"

ردت زوجته بصوت خافت جداً يكاد يكون همساً، لم يسمعه أحد غيري "والله محد فاضحنا جدام الناس غيرك"

كنتُ ملتصقة بزوجته لأحول بينها وبينه، فَهَمَسَتْ لي: "مشكورة حبيبتي، وخري عنه ترا هذا حيوان يمد ايده على طول، ما يخاف من الله". لكنني استمريت بالوقوف بينها وبينه لكي لا يوجه لها أي تهديد آخر بترك المحكمة. حضرتُ معها جلستها بالرغم انها ليست موكلتي، وبعد ذلك مشيت معها إلى خارج المحكمة، حدثتني عن تعنيفه لها، يضربها باستمرار، يضرب بناته باستمرار، يسبها، يهينها، يهددها بالقتل، يسرق منها، يوقعها على شيكات وقروض لا تستطيع الوفاء بهم، تعرف عن علاقاته بنساء أخريات منذ أعوام. يأخذ أموالها ويعطيها لصديقاته، لم تعد تطيق الحياة معه، لم يعد هناك أي أمل، يأَست منه ومن المعاناة التي تعيشها. رأيته يراقبنا من بعيد بغضب وكره واضحان، ولازال يتصبب عرقاً! لم أملك أي كلمات للتخفيف عنها، غير أنني قلت لها أنها إذا احتاجت لصديقة تسمعها فيمكنها الإتصال بي، ورحلتُ بعدما تأكدت بأنها ركبت سيارتها ورَحَلَتْ.









 

Jul 29, 2017

The holes in our worn-out shoes




Our demons are old tight skin, we refuse to shed.

I want to grasp meaning, depth, a wise silence but it is always lost in

continuous moments of haste, empty talk, or frustration.

I want to understand, but I have no patience,

I stumble in such painful falls, believing I have control.

When I cry, and suffer, and callout in despair why is this happening to me?

I see a tree, not even trying to block the wind, but letting it through.

I meet my sister, who tells me of her lavish vacation plans.

I offer to drive her to the airport. We don’t talk of our grief;

my livelihood predicament, her brooding for a child;

The holes in our worn-out shoes.

She, secretly wishing for my chains,

I, secretly wishing for hers.

Why does life continue to laugh at us?  











Jul 27, 2017

انعدام الرجولة وانتشار الذكوريّة 2



وقفت أمام القاضي في غرفة المداولة. ووقف أحد موكّلي مكتب المحاماه الذي أعمل فيه. طليقته قد رفعت عليه دعوى نفقة أطفال بعد أن تركها هي وأبناءه الثلاثة منها من دون إعانة ولا مساعدة مادية، وتزوّج من أخرى وأنجب منها طفلين آخرين.

لا خيار لي في الحضور معه لأنه موكل للمكتب، لكنني أكره بشده هذا النوع من القضايا، حيث يأتي ذكر أحمق ويكذب على المحكمة بعد أن حلف اليمين بأنه فقير ولا يملك الإنفاق على أبناءه! لماذا جئت بهم إن لم تكن قادراً على الإنفاق عليهم؟ ولماذا تتزوج من أخرى وتنجب المزيد من المتاعب والقضايا إن لم تكن قادر على الإنفاق على اللذين أتيت بهم من الأولى؟ كان رجلاً سميناً جداً، ضخماً، بَشِعاً، ذو وجه مزعج، وشخصية منفرّة. وقد أحضر معه شهود من أهله (والده وشقيقه) لكي يشهدها معه بأنه فعلاً غير قادر الإنفاق! كلاهما على استعداد أن يشهد زوراً بعد حلف اليمين أن هذا الرجل الأربعيني، البدين، الذي يكاد كرشهُ العملاق أن يمزّق دشداشته، غير قادر على الإنفاق على أولاده الذين تتراوح أعمارهم بين الخمس والعشر سنوات. كنتُ أقف هناك مغتاظه، كارهة لوجودي كعون لمثل هؤلاء.

القاضي: أحمد، ليش ما تنفق على أولادك؟

أحمد: ما أشتغل ما عندي راتب!

القاضي: ليش ما تشتغل؟

أحمد: قاعد أدوّر على وظيفة، بس مو لاقي شي!

القاضي: المحكمة طلبت حضور زوجتك في الجلسة السابقة وسألناها ما إذا كان عندك مصدر دخل، وقالت، وأكدوا الشهود اللي معاها، بأنك تملك صالون بالسالمية ومعهد تدريب أيضاً في السالمية.

أحمد: لا والله يا حضرة القاضي، ما أملك شي!

القاضي: أحمد (وقد احتدت نبرة صوته) يعني عمرك ما اشتغلت، شلون عايش؟

أحمد: كنت موظف وبعدين استقلت والحين ما اشتغل

القاضي: شكثر صارلك من دون وظيفة؟

أحمد: (يفكر) ثلاث سنوات

القاضي: ثلاث سنوات من غير دخل! (الدهشة وعدم التصديق في نبرة صوت القاضي) اشلون عايش؟ شلون تصرف على زوجتك الحالية وأولادك منها؟

أحمد: زوجتي اهي اللي تصرف عليّ وعلى أولادنا

القاضي: (بعد برهة صمت نظر فيها إليه بدهشة واستغراب وبعض الإحتقار) أولادك من طليقتك لهم حق عليك إنت ملزم فيهم و بمصروفاتهم.

أحمد: أُمهم تشتغل وراتبها زين

القاضي: إنت أبوهم لازم تنفق عليهم، هذا وفق الشرع والقانون. يبت شهود؟ نادلي الشاهد الأوّل، والدك.

(دخل الشاهد الأول، والد أحمد)

القاضي: قول والله العظيم أقول الحق ولا أقول غير الحق

(بعد أن حلف اليمين، وسأله القاضي ما علاقته بالمدعى عليه أحمد، وأفاد بأنه والده)

القاضي: أحمد موظف؟ أو عنده أعمال حرّة؟ شنو مصدر دخله؟

والد أحمد: ما يشتغل وما عنده مصدر دخل

القاضي: شلون عايش؟ منو يصرف عليه وعلى زوجته وأولاده؟

والد أحمد: زوجته تصرف عليه وعلى أولادها منه.

(نادا القاضي الشاهد الثاني، شقيق المدعى عليه، وحلّفه اليمين، وسأله عن علاقته بأحمد، فأفاد أنه شقيقه)

القاضي: أحمد أخوك شنو يشتغل؟ شنو مصدر دخله؟

شقيق أحمد: ما يشتغل ما عنده مصدر دخل

القاضي: شلون يصرف على نفسه وزوجته وعياله؟

شقيق أحمد: زوجته تصرف عليه وعلى أولادهم.

.........................................................................

 أرى الكثير من هذا النوع المخجل من البشر، مستعد أن يكذب، ان يشهد زوراً، أن يأتي بأهله ليشهدوا زوراً معه، على أن يؤدي دوره كرجل، كأب ويُنفِق على أولاده. تذكرتُ طليقي الخسيس، بعد أن توقف عن أداء النفقة التي اتفقنا بعد الطلاق أن يؤديها لابنته، اضطررت لرفع دعوى. دافع محاميه عنه مدعياً أنه غير قادر على أداء النفقة لأن لديه أولاد من زوجته الجديدة وكذلك لديه مسؤوليات مادية كثيرة، منها أنه يتبرع بمبلغ شهرياً لجمعية خيرية. ضحكتُ كثيراً على غباءه وحمدت الله كثيراً أنه خلصني منه، وفرحت بحكم المحكمة الذي أنصفني بنفقة أكبر من التي كان يدفعها لي ودياً قبل أن يمتنع، وكتب القاضي في حكمهِ معلقاً على نكتة التبرع لجمعية خيرية: "كان من الأولى أن يؤدي المدعى عليه نفقة ابنته بدلاً من التبرّع لجهة خيرية". 



تم تغيير اسم الموكّل في النص.




Jul 24, 2017

Unlearning



Plunging my hands, wrist deep, in the greasy pan I left socking for hours. Grease floating on top, a tornado of dirty smog. I press the rough side of the sponge hard against the bottom, scrub the stubborn grime stuck to the sides, in a circular motion my gloved palms move. Something excruciating about the mundane, something lulling about the familiar.

Who taught me this skill? I imagine the myriad women that came before me, centuries of the same repeated, mind-numbing motion. Aching muscles, dry skin, prematurely aging hands, despite ointments and rubbers.

There is a diplomacy, an intelligence, to knowing how; erasing water spots swiftly from bathroom mirrors. Removing cat hair from sofas without damaging the fabric. Knife cuts and oven burns, ugly and permanent, backpain from kneeling on ironing boards, and bathtubs, proof of qualification.

And another rigid, fascist world outside, reeking misogyny and unfairness, I learned to maneuver. Mountains of ancient filth laborious and obstinate. Stings unlike tinfoil cuts, bruises unlike stretch marks. Ferocious eyes, perverted hearts, unobtainable standards. A world where I was told to learn compromise, and sacrifice, and be submissive. A world where I was told to learn to be afraid, and apologetic, and feign weakness. A world where every day I insist on unlearning.  







   

Jul 22, 2017

انعدام الرجولة وانتشار الذكورية 1


  

وقفتُ بقرب المصعد، في أحد ممرات الدور الثامن من محكمة الرقعي القديمة الرثة، انتظر وصول الموكلّة من السجن، لأذهب معها إلى غرفة وكيل النيابة الذي طلب استدعائها للتحقيق. الدور الثامن من المحكمة مخصص لمكاتب وكلاء النيابة. الجدران مصفرّة متسخة تشوهها الخدوش والشقوق وآثار أحذية سوداء! هل هناك من يمشي على الجدران؟ ثم فكرت أنها قد تعود لأولئك الذين يتعبون من الانتظار في الممرات، فيسندون ظهورهم للحائط، يرفعون قدماً للخلف، لاصقين قاع الحذاء للجدار، ليرتاحوا قليلاً. لم يكن هناك أي مقاعد للجلوس والانتظار، لكن الآثار كثيرة ومنتشرة في كل مكان، وكثير من دمغات الأحذية الوسخة تشير للأعلى لا الأسفل!

 رائحة الحمامات الكريهة مختلطة برائحة وجبات إفطار الموظفين الكُتّاب، صمّون البيض والجبن والفلافل التي تثير الغثيان، تتصاعد مع ادخنة السجائر الخانقة، ولازالت الساعة التاسعة صباحاً، ترى كيف يكون الأمر في نهاية يوم متعب وطويل؟

 انفتح باب المصعد وظهرت الموكلة. تفاجأت أن من يرافقها من مركز الحبس رجل وليس امرأة، ومعهما سجينان آخران كلاهما ذكور. بالرغم أنه كان من المفترض أن السجينة الأنثى ترافقها امرأة. استفسرت عن الأمر، فردّ عليّ المرافق أنه لم تكن هناك مرافقة انثى متوفرة في ذلك اليوم، وبما أنه كان سيحضر السجينان الآخران، فقرر احضار الفتاة معهم أيضاً. أردت أن أقول بأنه لا يصح ذلك، لكنني لم أفعل، لا أدري ما إذا كنت قد خشيت من احداث ضجة غير مبررة، أو أنني خشيت أنه فعلاً يجوز له احضارها مع السجينان الآخران، وأكون أنا المخطئة.

أخذ المرافق السجينان الذكور إلى غرفة مخصصة، القيود التي تكبّل أرجلهم تضمن عدم هروبهم. اتجهنا أنا وهو والفتاة إلى غرفة وكيل النيابة، وجهها كان شاحباً، مُتعباً، وقد قالت لي أنها لم تنم منذ يومين.

في الغرفة الصغيرة بجدرانها الصفراء لم يكن هناك سوى مكتب ضخم، يجلس خلفه وكيل النيابة، بجانب المكتب كرسي يجلس عليه الكاتب الذي كان يلبس ملابس رياضية (سبورت)، (تي شيرت) فسفورية اللون، بنطال رمادي (ترينغ)، وقبعة (كاب)، وسلسلة فضية حول رقبته! في زاوية المكتب كانت هناك خزانة صغيرة خالية تماماً، ومقابل المكتب، أريكة من الجلد الأسود تكفي لشخصين، حيث جلست أنا والموكلة. بدا على المُرافق أنه يعرف وكيل النيابة والكاتب جيداً، سلامهم كان حاراً، كالأصدقاء. سأله وكيل النيابة، ضاحكاً، واثقاً، مستخفاً بمركزه، والمكان الذي هو فيه، والأشخاص الموجودين:

"ها.. يقولون تزوجت الثانية؟"

"لا هاذي الثالثة"

"كفو والله كفو، رجّال"

ضحك الثلاثة ضحك عالٍ صاخب مستهتر كالذي ممكن أن يحصل داخل الديوانيّات، أو المقاهي القديمة الوسخة التي يكون روّادها فقط من الذكور، وأعطاهُ الكاتب علامة الصفقة العالية باليد (هاي فايف)، وقال له: "يلاّ، ربّعهم". أي أضف إليهم زوجة رابعة.

"لا، وأزيدك من الشعر بيت" قال المرافق "الثالثة إهيَ اللي خاطبتني"

سأل وكيل النيابة باستمتاع شديد: "ها، شلون؟"

فردّ المرافق متفاخراً: "إي والله، اهي اللي قالتلي، أبيك، أبي أتزوجك"

"زلم والله زلم" كان رد وكيل النيابة. وكرر الكاتب تبريكاته واعجابه، وسط الضحك وعدم المبالاة.

اقشعر بدني، شعرتُ بالغثيان. ماذا عساي أن أقول؟ إلى أين أوجه نظري؟ لا أستطيع حتى أن أنظر لوكيل النيابة وأطلب منه أن يبدأ التحقيق؟ هل يعقل ما قد حصل للتو؟ لم أستوعب كم كان الموقف مخزياً ومقززاً.

هل يعقل أن يدور مثل هذا الحوار المنحط في مكتب وكيل نيابة؟ هل من المعقول أن يكون شخص مثقف ومتعلم ومتخرج من كلية الحقوق وحاصل على معدل عالٍ، وتم اختياره من بين مئات، بهذا المستوى من الأخلاق؟ يتحدث بمثل هذا الأسلوب؟ في مكان عمل من المفترض أن يكون محترماً. أهذه نتيجة تدخل الواسطة في اختيار وكلاء النيابة أم أن الذكور فعلاً وصلوا لهذا المستوى من انحدار الذوق وانعدام الإحساس. اسم عائلته قبيلة معروفة، أناقته تدل على أنه يحب الأشياء الثمينة، سجادة الصلاة الموضوعة على حافة الأريكة التي أجلس عليها تدل على أنه يصلي، أو على الأقل أنه على علم بتعاليم الدين. لكن إذا كانت التربية قد فشلت، والتعليم قد فشل، والدين قد فشل في تكوين الرجل ما الذي سينجح؟

خرج المرافق، وبدأ وكيل النيابة يتحدث بعنجهية وكبرياء:

"أشوف وكالتج أستاذة، وعطيني كرنيه المحاماة"

أخذهم منىّ ورماهم على الكاتب، وأمره أن يقوم بتصويرهم.

التفت للفتاة بازدراء: "ها شيماء، اشلونج؟ زينة؟ متعاطية مرّة ثانية ها! أبوج اللي مبلغ عنج، تدرين؟"

أغاظتني نبرة صوته، لم ترد شيماء، هزّت رأسها بالنفي فقط. كانت تنظر ليديها بعينان شاخصتان مرهقتان، وجهها حزين كئيب، جسدها نحيل جداً، جسد مريض ومُتعب. أحزنني منظرها، أحزنني الموقف، فتاة جميلة رقيقة، متعلمة وصغيرة في السن، كيف وصَلَتْ إلى هنا؟

تفاجأت عندما بدأ وكيل النيابة بإشعال سيجارة، ثم قام الكاتب بإشعال سيجارة أيضاً! 

أردت أن أقول شيئاً، أردت أن أعترض. أردت أن أطلب منه أن يتوقف عن التدخين، انتقلت عيناي بسرعة منه إلى الكاتب، ثم إلى وكيل النيابة مرّة أخرى. لا أدري ماذا أقول، هل أقول: لو سمحت استاذ ممكن ما تدخن؟ أو أقول لو سمحت أستاذ أن أعاني من مرض الربو ودخان السجائر يؤذيني؟ (بالرغم أن آخر نوبة ربو أصابتني كنتُ في الخامسة عشر من عمري). هل أقول أنه ليس من المهنيّة أن يدخّن اثناء التحقيق في مكتب صغير مغلق و خصوصاً بوجود نساء؟ هل أكون صارمة في نبرة صوتي؟ غاضبة؟ جادة؟ أم مبتسمة متسامحة؟ شعرت بضيق شديد، لم أقُل شيئاً حتى الآن! إن كنتُ سأعترض فيجب أن أتكلم الآن، إذا أجّلت اعتراضي أكثر سيكون الأمر غريباً وغير طبيعي! ثم نظرت إلى شيماء. لازالت تحدّق بيديها. هل إذا طلبت منهم الإقلاع سيطلقان ضحكة ساخرة ويقولان "هاذي تتعاطى" قاصدين بازدراء أنها تستنشق ما هو أسوأ بكثير من الدخان فلماذا يراعونها. وأنا؟

خلال هذه البرهة التي أثرتُ فيها أكثر من طريقة بعقلي لأطلب منهما الإقلاع ولم أفعل، سأل فيها وكيل النيابة شيماء إذا كانت تتعاطى، فقالت لا. سجّل الكاتب. فقال لها أن والدها طلب منهم أحالتها إلى مركز إعادة تأهيل المدمنين لكي تتعالج وأنه أفاد بأن ابنته تتعاطى ويريد لها أن تتعافى. ردت شيماء وقالت أنها لم تتعاطى منذ زمن وأنها مستعدة لأجراء أي تحليل لإثبات ذلك. وأنها بالفعل أجرت تحليل قبل يومين لتثبت لوالدها انها لم تعد تتعاطى. كانت نتيجة تحليل شيماء في ملفي، أخرجتها ومررتها له، فضحك وكيل النيابة ساخراً "تحليل بعيادة خاصة؟ يكتبون لج إللي تبين". فكررت شيماء أنها مستعدة لعمل أي تحليل آخر في مركز إعادة التأهيل لتثبت خلو جسدها من أي مواد.

اشكثر صارلج من تعاطيتي آخر مرّة؟

ما ادري... أشهر.

جم شهر يعني؟

ثلاث أو أربع شهور.

طلب من الكاتب أن يثبت كلامها، وفي هذه اللحظة دخل المرافق مرّة أخرى، ليأخذ شيماء. طلبت شيماء من وكيل النيابة أن لا يحبسها، طلبتُ أنا منه اطلاق سراحها لأنها لم تتعاطى منذ شهور كما أكدت وأنها مستعدة لعمل تحاليل لإثبات ذلك. بدأ المرافق ووكيل النيابة يؤكدان لي أنها لن تُسجن بل فقط سيتم إيداعها في مركز المدمنين لتتعافى. توسلّت شيماء أن لا يودعوها في المركز وأنها تكره ذلك المكان حيث يعاملون المدمنبن أسوأ معاملة وأنها فقط تريد العودة للبيت. ردّ وكيل النيابة بأنها إذا ذهبت للمركز وعملت التحاليل وفعلاً كانت نتيجتها سلبية فسيسمحون لها بالعودة للبيت.

 حاولتُ اطمئنانها عندما ذَهَبَت معه وآنا لا أعرف مصيرها. خرجتُ من المحكمة أشعر بالتعاسة، قدماي ثقيلتان، قلبي متعب. تتردد في ذهني ضحكاتهم الدنيئة، كلماتهم البذيئة، سلوكهم المنحط.






تم تغيير اسم الموكلة في النص



Jul 20, 2017

The relentless fly



My thoughts stab me to sleep.

I ask all the Gods to intervene.

My dreams as strange, and haunting, as bat filled caves;

Red-eyed, blood thirsty, upside-downs.

I try in vain, ideas I conjure in my waking fogginess;

imagine the pairs of animals climbing Noah’s ark,

there go the giraffes, there go the moths..

The unicorns, the unicorns were left behind. Forgotten.

If I could swat my sadness,

the relentless fly, nosily buzzing in the background of my life, torturous.

If I could fold and refold it, pages upon pages of dog-eared brutalities roaring in my ear.

Here, I say to the night, swallow this if you can

Let your heavy cloak of darkness cover this

And right under the watchful gaze of the pompous full moon, the night declined,

ashamed.

The earth will no burry it, the sky will not veil it, the seas will not drown it.

My ferocious anger, my battering despair, growing, sharp, claw-like, venomous thorns on my skin.







Jul 17, 2017

The Thought



Where were we, before we were born?

Were we a thought? A passing, melancholy thought?

Was she secretly murmuring ‘Not another girl I hope’ ? As I bulged inside her despairing stomach. A random fate deciding the sound of my voice, the color of my hair.

We were, some of us, a dream. And some a dread.

Walking this dirty, diseased earth. Knots in our throats, mountains on our back, ugly words shackling our feet.

And people, grey, loveless, bruised and flat kept on talking, they kept on walking, they kept on eating, and shitting, and fucking, and praying, an endless miserable, meaningless existence. Only to produce yet more tragedies. More grey, loveless, people. Bruised and flat.

Unfulfilled, empty souls, stone hard eyes. The shards of broken spirits, enough to bury oceans, to cover skies.

We came from nothing. A passive, fearful thought, only to pour into the pool of filthy, cowering thoughts.

Marble heavy egos, carrying generations upon generations of shame. Repeated, replicated personas. A pathetic lifetime of compromise, I thought… Standing in the shabby kitchen. Early morning light flooding false promises. The sun already forgetting yesterday horrors. I put away the drying cutlery, the shiny faces of clean plates. The meal eaten, the conversation spent, everything used and said. The pull of a rackety drawer, the shutting of a crocked cabinet door… How every little trifle had its place, even a glow of light.