8 May 2019

الرجل السجّان والمرأة السجينة

إحداهن تقول لي:
 نادراً ما يسمح لي والدي بالخروج ونادر ما نسافر معاً. في الصيف السابق أخذنا إلى لندن، فرحت جداً لأنها أوّل زيارة لي لِلعاصمة الشهيرة. لكن ما أن وصلنا حتى بدأ أبي بتعامله العسكري معي: لماذا تضعين المكياج؟ لماذا تتلفتّين؟ إلى ماذا تنظرين؟ لماذا تضحكين؟ صرت أمشي كالرّجل الآلي، متشنجة، متيبّسة، خائفة، وجهي إلى الأمام أخشى أن ألتفت لأنظر لجمال الزهور، أخشى أن ألتفت لأنظر لواجهة المحلاّت، أجلس في المقهى أمام أبي ورأسي منحني للأسفل أنظر فقط في كوب قهوتي، لا ألتفت يميناً ولا شمالاً خشية من التعنيف أو الصراخ أو التهديد.
امرأة متزوجة تقول: ذهبتُ لإحدى الوزارات لأنهي بعض الأوراق الرسمية لأحد أولادي، وقد ألحّيت على زوجي مسبقاً لإنهاء الأوراق لكنه كان دائماً يتعذّر بانشغاله. عندما قلت لزوجي أثناء الغداء أنني كنت في إحدى الوزارات، صرخ عليّ أمام أبناءنا: "ومن قال لكِ تذهبين؟ ألا تستحين وأنتِ تمشين بين الموظفين الذكور؟ أليس لديكِ حياء؟ أنتِ لستِ محترمة!".
أخرى تقول أن أخاها كان يهددها يومياً بإخراجها من الجامعة أثناء دراستها، في كل مرّة يغضب عليها، يهددها بحرمانها من حقها في الدراسة، حتى بعد أن تخرّجت وصارت تعمل، كلما صرخ عليها هددها: "حسناً سأخرجكِ من عملك حتى تتأدبين".
إحداهن تقول: كنتُ بالجامعة يوم السبت بسبب نشاط أكاديمي ثقافي مُقام من قِبل الطلبة، تواصل معي والدي الذي يعلم عن مكان تواجدي لأنني استأذنته مسبقاً يطلب منّي إرسال "اللوكيشن" عبر الهاتف. في البداية بسبب سذاجتي أرسلت له "اللوكيشن" ظناً منّي أنه يرغب بحضور النشاط الذي تعبت أنا وزميلاتي بالتحضير له، ففرحت أنه مهتم ويريد الحضور، أسعدني اهتمامه بي الذي نادراً ما أراه أو أشعر به، لكن بعد مرور ساعات من دون أن يحضر اكتشفت أنه فقط يريد التأكد من صدق كلامي، وأنني فعلاً في الجامعة ولم أكن أكذب.
أخرى تقول أن والدها درّب أخاها الذي يصغرها كثيراً بالسن على مراقبتها وأخواتها. فإذا سافر الأب، تولى الأخ مراقبة أخواته والتحكم بهن وبتحركاتهن.
 عندما لا تخرج المرأة إلا بإذن الرجل، ولا تدرس إلا بإذنه، ولا تعمل إلا بإذنه، ولا تتزوّج إلا بإذنه، وتعيش طوال حياتها رهينة تهديداته فالمرأة هي السجينة والرجل هو السجّان. فهل من الممكن أن تتكوّن علاقة طبيعية بين السجين والسجّان؟ هل من الممكن أن يحب السجّان سجينه؟ أو أن يحترمه؟ أو أن يثق به؟ أو أن ينظر له كشخص مساوٍ له بالحقوق والحريات؟ طبعاً لا.
الرجل "السجّان" لن ينظر أبداً للمرأة "السجينة" على أنها انسان كامل، إنسان حر، إنسان ذو أهلية، إنسان يستطيع أن يحبه ويحترمه ويتشارك معه بالأفكار. لن يقبل السجان أبداً أن ينظر للسجينة على أنها تقف معه على عتبة المساواة، سينظر الرجل السجّان دائماً للمرأة السجينة على أنها رهينته وأنه يجب عليه دائماً أن يراقبها، ويشك في نواياها وأخلاقها، ويعنفها إن هي تجرأت أن تخرج عن طاعته، سينظر لها سواء كانت ابنته، أخته، زوجته أو عشيقته على أنها ماكرة، لا تفكر بشيء سوى كيف تخدعه وتتملّص من رقابته وتفعل ما تشاء من دون علمه. يظن الرجل السجان أن المرأة السجينة لا تفكر ولا تبحث إلاّ عن العلاقات المحرّمة، ولأنه لا يحترمها، فهي في نظره لا تملك أي احترام لذاتها، وبالتالي لا يستطيع أن يتصوّر أن المرأة تفكّر بأي شيء آخر غير الجنس، إن أرادت الخروج فهي تريد الخروج للتورّط مع رجل، وإن هي تزيّنت فهي تتزيّن لجذب الرجل، يظن الرجل السجّان أن المرأة مهووسة بالرجل، مثلما هو مهووس بالمرأة وبمراقبتها وتقييد حريتها.
المأساة الأخرى التي تحصل عندما يضع الرجل نفسه سجّاناً للمرأة، هو أن الرجل أيضاً يصبح مقيّد. يجب أن يراقب المرأة طوال الوقت، ويشك في كلامها ونواياها، وينظر لها بنظرة الريبة. يريد الرجل أن يثق بالمرأة ويصادقها ويحاورها لكنه لا يستطيع، لا يستطيع أن يحترمها أو يحترم عقلها، فهو السجّان وهي مجرّد سجينة، هي المذنبة الساقطة، وهو مدّعي الشرف والفضيلة المسؤول عن تأديبها. يتوق الرجل لخلق صداقة صادقة مع المرأة، صداقة طبيعية خالية من الرغبة الجنسية، خالية من النفاق والتصنّع لكنه لا يقدر، لا يرى نفسه سوى العاشق الغيور الشكاك، أو الأب/الأخ الغيور الشكاك، وفي كلا الحالتين فهي تحت سيطرته وسلطته ولا يمكن أن تتحقق صداقة حقيقة تحت هذه الظروف، تتطلّب الصداقة أن يرى الطرفان نفسيهما متساويان، لكن الرجل السجّان يعتبر مساواته بسجينته إهانة له. يريد الرجل السجّان أن يُحب المرأة لكنه غير قادر على احترامها، وبالطبع لا وجود للحب من دون احترام. حتى العاشق السجّان يرى عشيقته كما يراها أبوها وأخوها، غشاء بكارة زجاجي هش تنتهي قيمتها بفكّه.
والدها وأخاها يقضيان عمرهم كله في حراسة ذلك الغشاء الزجاجي، ووضع قيمة مادية عالية لمن يريد أن يكون الأوّل في فكّه (المهر)، ثم يدفع العريس - الذي كان حبيباً - ثمن الغشاء فتتحوّل حبيبته في نظره مباشرة من سلعة جديدة غير مستعملة إلى سلعة مستعملة. ويبدأ بممارسة دوره كسجّان، يراقب ملكيّته المستعملة بشيء من الغثيان والغضب والاستحقار، "أين تذهبين؟ مع من تتكلمين؟ لمن تتزيّنين؟ اسكتي و اهتمّي بأولادك"، بالأمس كان يحبها! ماذا حصل؟ لماذا أصبحت رخيصة ووضيعة جداً هكذا في عينيه؟ لأنه لا يمكن للسجّان أن يحب أو يحترم السجين














3 May 2019

أقصاها امرأة


  

ضابط أمن كويتي ينتمي لقبيلة بدوية قتل صحفية كويتية لأنها كتبت في مقالة أن بنات القبيلة التي ينتمي لها المُجرم يحسنون الرقص. قتلها عمداً بستة طلقات في الشارع وفي وضح النهار أمام الناس دفاعاً عن شرف قبيلته.

وفقاً للقانون الكويتي الجنائي كان يجب أن يُعدم القاتل،

وفقاً للشريعة ومفهوم القصاص (النفس بالنّفس) كان يجب أن يُعدم، 

ووفقاً للأعراف القبلية البدوية (الثأر) كان يجب أن يُقتل

لكنه سُجِن ولم يُعدم، لماذا؟

لأن حياة المرأة في الكويت رخيصة

ولأن القضاء الكويتي فاسد يسمح بالمحسوبيات، والوساطات، والتدخلات العشائرية، والقبلية ويتأثر بها ويتبناها في قراراته، ولأنه قضاء غير حُر وتحت سلطة وسيطرة الحاكم وأهواءه. ولأن المجتمع الكويتي ذكوري أبوي يسترخص حياة المرأة مقارنة بحياة الرجل. تم سجن المجرم بدلاً من إعدامه بالرغم من كونه ضابط أمن، وقد قتل المجني عليها بالسلاح الحكومي الذي رَخّصَت له الحكومة حمله حمايةً للأبرياء وليس لِقتلهم، هذه العوامل من شأنها تغليظ العقوبة وليس تخفيفها.

الحكم الذي صدر على المجرم هو السجن المؤبد، لكنه سيخرج الآن بعد 19 سنة من الحبس بعد أن شنّت قبيلته حملة لجمع "الديّة" بمقدار عشرة ملايين دينار، و"الديّة" في الأصل هي المبلغ الذي يجوز لأهل المقتول قبوله من أهل القاتل إذا كان القتل خطأ، أما القتل العمد فالأصل أن يُواجَه بالقصاص وليس الديّة

قتل النساء بدافع الشرف أصبح أمر شبه عادي في الكويت بعد أن قُتلت خمسة نساء كويتيات على يد أباءهن، أزواجهن وأشقاءهن في 2018 من دون أي استنكار من قِبل المجتمع، أو الحكومة، أو تغليظ العقوبات من قِبل البرلمان الكويتي الفاشل.

فالمرأة في الكويت هي "الآخر"، الجنس الآخر، الجنس الأدنى، وعندما يتم تحويل أي كائن حي إلى "الآخر" يصبح من العادي ومن الطبيعي تعنيفه، و "تشييئه"، و حرمانه من حقوقه و حرياته، و ازهاق روحه.

المرأة في الكويت هي "الآخر"، والوافد الأجنبي في الكويت هو "الآخر"، والحيوان في الكويت هو "الآخر"

 ففي 2012 تم جمع الدية لشاب ينتمي لقبيلة بدوية بعد أن قتل طبيب وافد عمداً في أحد المجمعات التجارية. بسبب خلاف دار بينها على موقف سيارة.

أما الحيوان فيتم دهسه في شوارع الكويت وتعذيبه بشكل عادي ومستمر من دون استنكار أو استهجان.


أتخيّل الذكور في "الدواوين" أثناء تبرّعهم للإفراج عن المجرم القاتل يرددون "أقصاها امرأة" ويخرجون رزمة الدنانير من جيوبهم،  

أتخيّل كل من رقص واحتفل بخروج المجرم القاتل، حالياً يفكر بشيء من النشوة أي امرأة سيقتل يا ترى؟ أخته؟ زوجته؟ ابنته؟ أمه؟ احدى عشيقاته؟ أو امرأة أجنبية عنه تماماً تفوّهّت برأي لم يعجبه؟ فيصبح مشهوراً وبطلاً لدى قبيلته، ويتحدث عنه الناس في مواقع التواصل الاجتماعي، وينادون بالإفراج عنه، ويطالبون بجمع ديّته، فيشعر أنه ذو أهميّة وذو شأن، و يرقصون ويحتفلون بخروجه من السجن،

أتخيّل أهل المقتولة الذين سيتقاسمون العشرة ملايين دينار ويستمتعون فيها، ماذا سيشترون بقيمة فقيدتهم؟ يختًا؟ أرضاً؟ قصراً؟ فالمرأة في الكويت ليست إلاّ شيئاً.  













19 Mar 2019

ولدتُ هكذا



 قالت لي فتاة كويتية في العشرين من العمر على استحياء

كنتُ أعرف أنني مختلفة منذ كان عمري 8 سنوات،


لاحظت أنني لا أميل للأولاد، وخفتُ من شعوري اتجاه الفتيات. اختلافي أخافني، لأنني منذ البداية، وقبل فهمي للنظرة الدينية الصارمة والمُحرِّمة لما أشعر به، لم أرَ في مجتمعي الصغير فتاة تحب فتاة أخرى، كل ما كان يدور حولي كان يرفضني ويرفض طبيعتي،

لم أفهم لماذا أنا مختلفة، ولم يكن عالمي مكاناً آمناً يتيح لي أن أسال والدي أو والدتي لماذا أنا هكذا؟

لذلك أبقيت نفسي سراً، غلّفتُ قلبي تماماً حتى لا يراه ولا يقترب منه أحداً، ودفنتُ ذاتي وهوّيتي، وصرتُ تماماً كما تريديني أسرتي أن أكون، وكما يريدني مجتمعي الذي يرفض ويكره الاختلاف والانفراد، ويسجن المثليين، ويُحقّر المرأة التي تميل للمرأة، ويلعنها ويطردها من رحمة الله.

بالرغم أنني أحبُّ الله كثيراً، أحبُّ الله وألجأ إليه، أصلي له وأبوح له همومي وأسراري وأتوكّل عليه. لكن تم تلقيني أنه لا يمكن لواحدةٍ مثلي أن تحب الله، لا يمكن لمسخٍ مثلي أن تكون امرأة مسلمة، عليّ أن أختار بين مثليّتي وبين حب الله، لأن الله لا يحب الذين يميلون لبني جنسهم.

ومهما صرخت أنه ليس اختياري، ليس اختياري، أنا لم أختر أن أكون مختلفة، لم أختر أن أحب الفتيات، لو كنت أستطيع تغيير ذاتي لفعلت، الحياة في هذا المجتمع المنغلق، الأعمى، الخانق صعبة كما هي، فلماذا أختار تعقيدها أكثر؟ لماذا أجني على نفسي في مجتمع يقهرني ويلومني لولادتي كما أنا؟

كلمات الناس تقتلني، كلمات أمي عندما تنظر إليّ وتسألني بحسرة وحزن: "لماذا لا تكونين أكثر أنوثة؟"

كلمات الشباب في الأماكن العامة، عندما يسخرون من مظهري، أو أسلوبي في المشي، أو ملابسي،

كلمات أقرب صديقة لي، التي أعرفها منذ طفولتي، بعد أن جمعتُ كل قوّتي وشجاعتي لأبوح لها بسرّي، كنتُ أرتعد خوفاً، كنتُ أخشى أن تتركني، أن تنهي صداقتنا، أن تتغيّر بعد أن تعرف حقيقتي. سكتت برهة ثم قالت: "تعرفين أنه لا يمكنكِ أن تكوني فتاة مسلمة ومثليّة في نفس الوقت أليس كذلك؟". تمنيتُ لو أنني أبقيتُ قلبي مغلفاً وهويّتي سراً.
لا أريد أن أختار، أحب الله، لا أريد أن أخسر صديقتي، لم أختر جسدي، لستُ سيئة، ولدتُ هكذا والله لا يخطئ.

















8 Mar 2019

قالوا



إذا اهتمت بمظهرها قالوا سطحية

وإذا اهتمت بدراستها قالوا معقدة

وإذا أحبّت الكتب والقراءة قالوا  اشدعوى يعني ذابحتج الثقافة

إذا ضحكت قالوا هبلة وخريشة

وإذا صارت جديّة قالوا ودرة ودمها ثقيل

إذا اشتغلت وطمحت قالوا مهملة، مو مهتمه في بيتها وعيالها

وإذا اختارت البقاء في البيت والتفرّغ لتربية أولادها قالوا موطموحة، كسلانة

وإذا تكلمت بلغة أجنبية قالوا تتفلسف

وإذا تحاورت بمواضيع تهمها ومن اختصاصها قالوا ما تفهم

وإذا سكتت تجنباً للنقد قالوا ما تعرف شي ومخها فاضي

إذا طالبت بحقها بهدوء، لا يأخذونها على محمل الجد وقالو ضعيفة

وإذا طالبت بحقها بقوّة وجُرأة قالوا شيطانة، قليلة أدب، ولسانها طويل

إذا خرجت من البيت قالوا صايعة

وإذا لزمت البيت قالوا نكدية ما تعرف تستانس

إذا حضرت كل الأفراح وكل الدعوات قالوا انتي كله برة البيت؟ ماتقعدين!

وإذا اعتذرت عن حضور الأفراح والعزائم قالوا موسنعة، ما تعرف الواجب

إذا رفضت مساعدة زوجها مادياً قالوا ترى الحياة مشاركة وتضحية

وإذا أعطت زوجها قالوا محّد قالج! إنتي خبلة ليش تعطينه؟! 

 إذا لم تكن متدينة قالوا قحبة*

وإذا اهتمت بالدين قالوا صيري قحبة حق زوجج

إذا رقصت بالأعراس ضحكوا عليها وقالوا تافهة

وإذا رفضت الرقص لأنها تخجل ولا تجيده قالوا لازم ترقصين حق زوجج، الرجل يحب اللي ترقص له

يمنعونها من الحديث مع أو النظر إلى الرجل، ويقولون لها أن كل رجل غريب عنها حتماً سيكون سيء ويريد استغلالها فقط والضحك عليها، ثم يجبرونها على الزواج من رجل غريب.

يغمضون عينيها عن الجنس ويقنعونها أن الجنس شيء قذر ويقولون لها "أهم شي في البنت الخجل والبراءة، ومن دون الخجل والبراءة لن يقبل بكِ أي رجل كزوجة". ثم يقولون لها يجب عليها ألاّ تكون خجولة وبريئة في فراش زوجها وإلاّ تركها لأخرى، لأن الزوج لا يحب بالبريئة الخجولة في الفراش"!





*المرأة القحبة: أي المرأة الباغية التي تمارس البغي

لكن القحب في اللغة العربية هو السعال، فيقال أصابها قحاب (أي أصابها سعال)، أو قحب الرجل (أي سعل بشدة)، وفي الجاهلية كانت المرأة الباغية تسعل (تكح) كوسيلة للفت نظر الرجال أو دعوتهم إليها.
























22 Feb 2019

انتي وين قاعدة بأمريكا؟



في كل مرّة تُطالب المرأة الكويتية بحريّات وحقوق اجتماعية أكبر: التحرر من سلطة الأب، الزوج، الأخ، حريّة السفر، حريّة التنقل، حريّة اختيار التخصص الدراسي، حريّة اختيار العمل والمهنة، حريّة الزواج من عدمه، حرّية اختيار الزوج، حريّة الزواج من أجنبي، حريّة الانفصال عن الزوج وتطليقه، حريّة الإنجاب من عدمه، حريّة الاحتفاظ بحضانة أبناءها، حريّة الهجرة، حريّة ابراز الهويّة الخاصة بها سواء عن طريق اللباس، أو التوجه الفكري، أو الميل الجنسي، أو ممارسة الهوايات، تجد ردّة فعل الرجل الكويتي كالتالي: "إنتي وين قاعدة بأمريكا؟"

العبارة تعطي انطباع للقارئ وكأن الكويتي يحتقر الثقافة الأمريكية أو ينظر لها نظرة دونية. لكن في الواقع الكويتي يعيش حياة الأمريكي: يركب سيارة أمريكية، يعشق الأكل الأمريكي، يسمع الموسيقى الأمريكية، ينتظر وصول فيلم "آكشن" أمريكي إلى دور السينما بفارغ الصبر، يدرس في أمريكا، يسارع إلى أمريكا طلباً في العلاج، يحب تقليد الأمريكي في اللباس من حيث بنطلون "الجينز"، و"التيشيرت"، و"الكاب" أو القبعة، يتغزل بجمال المطربات والممثلات الأمريكيات، ويُصاحب الفتيات كما يفعل الأمريكي، ويعطي نفسه الحق في مصاحبة الفتيات وملاحقتهم حتى بعد الزواج!

ما يقصده الكويتي عندما يضطهد المرأة بِعبارة: "إنتي وين قاعدة بأمريكا؟" وعادةً ما يرميها بنبرة صوت يملؤها التسفيه والتحقير، هو أنه يحق له هو فقط كرجل أن يعيش وكأنه "قاعد بأمريكا"، أما أمه، أخته، زوجته، ابنته، عشيقته! فعليهن العيش في الكويت، تحت تبعيّته وحسب أهواءه، ويبقين مجرّد تابعات له.

وهناك ازدواجية أخرى يعيشها الرجل الكويتي، فهو يتحرّش بالمرأة في الكويت إن مارست حرّيتها باللباس بحجّة أنها غير محتشمة، فوفقاً لمنطقهُ الذكوري، أي امرأة لا تلبس الحجاب تستحق التحرّش، بل وتبحث عنه، وحجّته في ذلك أنه كرجل لا يستطيع التحكّم بغرائزه، إن هو رأى امرأة غير محجبة فطرياً سيتحرّش بها، وعلى هذا الأساس يُجبِر نساء أسرته (أخته، زوجته، ابنته، وحتى أمه) بالإحتشام، بحجّة أن المرأة المحتشمة لا يتعرّض لها الرجل، بالرغم أن هذا غير صحيح. لكن التناقض يظهرعندما يسافر هذا الرجل إلى الغرب ويدرس مع فتيات يلبسن ملابس قصيرة وضيّقة لا يتجرأ على مضايقتهن، وإن رأى فتاة تلبس "البكيني" على الشاطئ لا يتجرأ على التحرّش بها. يخاف التحرّش بالمرأة الغربية لأن مجتمعها لا يسمح له بممارسة ذكورّيته كما يشاء، كما كان يفعل بالكويت، وسيحملّه المسؤولية كاملة إن هو تعرّض للمرأة وتحرّش بها، ولن يفيده الهراء الذي يردده في الكويت "أنا رجل ولا أستطيع التحكّم بغرائزي، لذلك من واجب المرأة الاحتشام عنّي". بمجرّد عبوره حدود بلد يحترم المرأة وحريّتها نجد الكويتي يحترم حريّة المرأة باللباس غصباً عنه ويتحكم بغرائزه غصباً عنه. ومن هنا يتضّح أن الأمر لم يكن يوماً يتعلّق بالغريزة، بل بالمجتمع المنافق الذي يسمح للرجل بالتمادي، ويلوم المرأة على مدى احتشامها.













17 Feb 2019

الشرع والقضاء ينظر نظرة احتقار للمرأة وعقلها




إذا أرادت المرأة الكويتية أن ترفع دعوى نفقة أو طلاق للضرر في المحكمة ، أي أنها متضررة بسبب العنف أو سوء العشرة أو عدم الإنفاق يجب أن تحضر شهوداً ليشهدوا أمام القاضي أن كلامها صحيح. وبما أن قانون الأحوال الشخصية الكويتي مشتق بالكامل من الشريعة الإسلامية فالشهود يجب أن يكونوا رجلان، أو رجل وامرأتان. حسب الآية القرآنية "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ" من سورة البقرة

تفسير الآية هو أن المرأة عقلها ضعيف مقارنةً بالرجل وأنها تنسى كثيراً، وبالتالي عقل امرأتان يعادل عقل رجل واحد. بالطبع هناك ظلم وتحقير شديد في هذا التفسير للمرأة وعقلها.

لكن المشكلة والمعضلة الحقيقية هو ما تواجهه المرأة عندما تلجأ للمحكمة. في كل مرّة تريد المرأة الكويتية أن تطالب بنفقة أبناءها يجب أن تحضر رجلان أو رجل وامرأتان ليشهدوا أن الأب لا ينفق على أبناءه، وفي كل مرّة تتعرّض الكويتية للعنف من قِبل زوجها أو أنه يأخذ أموالها بالقوّة ولا تريد الاستمرار بالعيش معه، يجب أن تحضر معها رجلان أو رجل وامرأتان ليشهدوا أمام القاضي أن ما تقوله حقيقة.

وماذا عن المرأة التي توفى والدها وليس لديها أخوة ذكور؟ أو ماذا عن التي لديها أخوة يمتنعون عن مساعدتها والوقوف معها والشهادة أمام القاضي؟ ماذا يحصل لهذه المرأة؟ الإجابة بكل بساطة، يضيع حقها.

في الكثير من القضايا التي ترافعتُ فيها عن زوجة كويتية معنّفة أو زوجة تُطالب بالنفقة كنّا نواجه هذه المشكلة، يأتي يوم جلسة شهادة الشهود فلا يكون لدى المرأة شاهد رجل، لأن أخاها الوحيد يرفض مساعدتها ووالدها متوفيّ، أو حتى والدها يرفض الشهادة لصالحها في المحكمة. في إحدى المرّات إحدى موكلاتي طلبت من زميلها بالعمل أن يقف معها في المحكمة ويشهد معها، كان والدها متوفي وقد توسّلت لأخاها أن يساعدها فرفض بحجّة العيب والسمعة! اضطرت أن تطلب من زميل عمل! طبعاً من الصعب جداً أن تطلب المرأة من شخص تعرفه معرفة سطحية ومهنيّة أن يحضر معها للمحكمة ويشهد معها بأمر شخصي ومخزي جداً كالعنف الذي تتعرّض له من قِبل زوجها.

في إحدى القضايا أكدت لي المرأة أن ليس هناك رجل في حياتها ليأتي ويشهد معها، حرّصت عليها مراراً أن تبحث عن أي شخص حتى لو قريبها من بعيد، أو جار، أو زميل عمل، لكنها أكدّت لي أنه ليس هناك أحد، فكّرنا ما الذي يمكن أن نفعله، فاقترحت علي أن تحضر أخواتها وصديقاتها، لديها أختان وصديقتان مقرّبتان تعرفان ما تمر به من مشاكل. وضّحتُ لها أن القانون يسمح برجل وامرأتان للشهادة لكن لا يسمح بأربع نساء. توسّلت إليّ أن نحاول حتى لا يضيع حقها، فشرحت لها أننا نستطيع المحاولة لكن للقاضي سلطة الرّفض. جاء يوم الجلسة وأحضرنا الشاهدات الأربعة ووقفنا أمام القاضي، فاشتطّ القاضي غضباً وأخذ يصرخ: "ما هذا!! أتسخرنَ من المحكمة!؟"، قلتُ له: "لا يا سعادة القاضي، كل ما في الأمر أن والد المدعيّة متوفي وليس لديها سوى أخ واحد، توسلنا إليه أن يقف ويشهد اليوم فرفض بحجّة العيب والسمعة، لذلك أحضرت السيدة أخواتها وصديقاتها اللاتي يعرفن عن تفاصيل معاناتها مع زوجها والعنف والظلم الذي تتعرّض له، وبما أن الشرع يعتبر عقل امرأتان عن عقل رجل احضرنا أربع نساء". فزاد غضبه وصرخ بوجوهنا جميعاً "احضروا لي رجالاً أريد رجالاً"، لم يسمع شهادة النساء، وهددنا برفض الدعوى تماماً إن لم نحضر له رجالاً، وضاع حق المرأة لأنها لا تعرف رجلاً يشهد لِصالحها في المحكمة.












16 Feb 2019

هرم القمع والإضطهاد




القمع والاضطهاد هو مرض اجتماعي سياسي يعتمد على "الفوقيّة". ففي النظام الأبوي يكون هناك سلطة ذكورية مستبدة (متمثلة بالأمير) تجثم على البلاد وتراقب: إن تكلّم هذا بكلمة مخالفة للسلطة سجنته، وإن ذاك عبّر عن رأي مخالف لرأي السلطة عاقبته، وإن ارتدت تلك ملابس لا تتماشى مع الفكر السائد تم تهديدها بجهنّم وبجواز اعتداء الرجال عليها، وهكذا..

النظام الأبوي المستبد الذي يحكم الدولة ويتسلّط ويضطهد، تنعكس صورته في الأسرة، فتحت النظام الأبوي الرجل الكويتي مقيّد ومُضطهد يتحكم رجل آخر (غالباً والده) بمصيره، يجبره على تخصص دراسي معيّن، يختار سيارته ويشتريها له، يقوده باتجاه وظيفة محددة، لا يختار الرجل الكويتي زوجته حسب رغبته، بل حسب ضوابط حددها له المجتمع مسبقاً، أو يُجبر على الزواج من ابنة عمه أو من قبيلة محددة، لا يختار أسماء أبناءه بل يجبر على التسمية على أباه، أمه، جده، إلخ، لا يختار عدد أبناءه فالمجتمع يفرض عليه إنجاب ثلاثة على الأقل. وفي مجتمع يكون الرجل فيه دائماً مُراقَب كي لا يخطئ، لا ينضج الرجل أبداً. لأن النضوج يعتمد على ارتكاب الأخطاء والتعلّم من التجارب. لذلك فالرجل الكويتي سطحي وهش لا يحسن التصرّف ولا يتقن اتخاذ قرارته ويحتاج لمن يتخذ قرارته بدلاً منه. ويظل معتمداً على والده أو حكومته بتوفير حياة كريمة له حتى بعد تقدّمه بالسن وبناءه لأسره، يظلّ دائماً معتمداً على غيره في رزقه. ولأن الرجل الكويتي يشعر بالضعف تحت سيطرة السلطة الأبويّة التي تتحكّم به، لا يشعر بكيانه ولا حريته فهو يحتاج لشخص يقوم هو باضطهاده، حتى يشعر بشيء من القوّة، فيضطهد المرأة التي هي أضعف منه جسدياً، يحدّ من حريتها، يحدد لها ما يجوز وما لا يجوز لها فعله، لبسه، قوله، التفكير به، يُحقرها، ويصغّرها عن طريق اسكاتها، تهميشها، والضحك على رأيها، وفي الكثير من الأحيان يضربها ويعنّفها كوسيلة للتعويض عن ضعفه وانكساره وانعدام حيلته تحت ضغط السلطة الأبوية عليه.

المرأة بدورها تشعر بالاضطهاد والانكسار تحت سلطة الرجل الأبوية الذكورية، تشعر أن الحريّة الوحيدة المتاحة لها هو اللعب بشكلها الخارجي، فتقضي حياتها بالخربشة بالمكياج على وجهها كالدمية حتى يُخيّل لها أنها تملك خيارات، وتلبس وتخلع الثياب حتى يبدو لها ولو للحظة أنها حرّة وأنها تحيا، وإن كانت ربع حياة. ولأنها مضطهدة فهي تبحث عمن تستطيع أن تمارس عليه الاضطهاد، فتضطهد الخادمة لأنها أضعف منها، تحد من حريّتها، تحدد لها ما يجوز وما لا يجوز فعله، لبسه، قوله، والتفكير به، تحقّرها، وتعنفها، وتدفنها تحت الأعمال المنزلية التي لا تنتهي حتى تشعر أنها ذات سلطة وذات قرار. وفي الكثير من الأحيان ينصب اضطهاد المرأة على أبناءها وخصوصاً الإناث.

الأبناء بدورهم تعلموا التسلط والاضطهاد من الأب والأم، فإما أن يمارسونه على بعضهم البعض، الكبير على الصغير، والأخ على الأخت، أو يمارسونه على الخادمة كما تفعل ماما، أو يمارسونه على ماما كما يفعل بابا، أو يمارسونه على حيوان ضعيف، كالاستمتاع بحبس عصفور في قفص، ركل قطه، ضرب كلب، وهكذا..


الاضطهاد والقمع مرض "فوقي"، حتى أنني شاهدت موظف مصري يعمل عملاً وضيعاً في الكويت (حارس أو مندوب) يتسلط ويضطهد عامل النظافة الأسيوي، لأن الأسيوي هو الوحيد الأصغر منه، فيضطهده ليشعر بذاته.

لكن لكي نقضي على الاضطهاد يجب أن نبدأ من التحت إلى الفوق. أن نبدأ بالعصفور المحبوس في قفص الذي ندعي أنه يغني لنا فرحاً بحبسه، يجب أن نبدأ بتحرير أضعف مخلوق في هرم العنف الذي بنيناه أولاً. فما دُمنا نستمر بالعيش في وهم أن الطائر الحبيس يغرّد من شدّة فرحه وحبّه لسجّانه، سيستمر الأطفال بقمع وباضطهاد بعضهم البعض، ستستمر المرأة باضطهاد الخادمة، والرجل باضطهاد المرأة، والسلطة باضطهاد الرجل. وذلك لأنه أكثر الناس ظلماً، قمعاً، واضطهاداً هو ذاته أكثر من يُعاني من الظلم، والقمع، والاضطهاد.