22 Feb 2019

انتي وين قاعدة بأمريكا؟



في كل مرّة تُطالب المرأة الكويتية بحريّات وحقوق اجتماعية أكبر: التحرر من سلطة الأب، الزوج، الأخ، حريّة السفر، حريّة التنقل، حريّة اختيار التخصص الدراسي، حريّة اختيار العمل والمهنة، حريّة الزواج من عدمه، حرّية اختيار الزوج، حريّة الزواج من أجنبي، حريّة الانفصال عن الزوج وتطليقه، حريّة الإنجاب من عدمه، حريّة الاحتفاظ بحضانة أبناءها، حريّة الهجرة، حريّة ابراز الهويّة الخاصة بها سواء عن طريق اللباس، أو التوجه الفكري، أو الميل الجنسي، أو ممارسة الهوايات، تجد ردّة فعل الرجل الكويتي كالتالي: "إنتي وين قاعدة بأمريكا؟"

العبارة تعطي انطباع للقارئ وكأن الكويتي يحتقر الثقافة الأمريكية أو ينظر لها نظرة دونية. لكن في الواقع الكويتي يعيش حياة الأمريكي: يركب سيارة أمريكية، يعشق الأكل الأمريكي، يسمع الموسيقى الأمريكية، ينتظر وصول فيلم "آكشن" أمريكي إلى دور السينما بفارغ الصبر، يدرس في أمريكا، يسارع إلى أمريكا طلباً في العلاج، يحب تقليد الأمريكي في اللباس من حيث بنطلون "الجينز"، و"التيشيرت"، و"الكاب" أو القبعة، يتغزل بجمال المطربات والممثلات الأمريكيات، ويُصاحب الفتيات كما يفعل الأمريكي، ويعطي نفسه الحق في مصاحبة الفتيات وملاحقتهم حتى بعد الزواج!

ما يقصده الكويتي عندما يضطهد المرأة بِعبارة: "إنتي وين قاعدة بأمريكا؟" وعادةً ما يرميها بنبرة صوت يملؤها التسفيه والتحقير، هو أنه يحق له هو فقط كرجل أن يعيش وكأنه "قاعد بأمريكا"، أما أمه، أخته، زوجته، ابنته، عشيقته! فعليهن العيش في الكويت، تحت تبعيّته وحسب أهواءه، ويبقين مجرّد تابعات له.

وهناك ازدواجية أخرى يعيشها الرجل الكويتي، فهو يتحرّش بالمرأة في الكويت إن مارست حرّيتها باللباس بحجّة أنها غير محتشمة، فوفقاً لمنطقهُ الذكوري، أي امرأة لا تلبس الحجاب تستحق التحرّش، بل وتبحث عنه، وحجّته في ذلك أنه كرجل لا يستطيع التحكّم بغرائزه، إن هو رأى امرأة غير محجبة فطرياً سيتحرّش بها، وعلى هذا الأساس يُجبِر نساء أسرته (أخته، زوجته، ابنته، وحتى أمه) بالإحتشام، بحجّة أن المرأة المحتشمة لا يتعرّض لها الرجل، بالرغم أن هذا غير صحيح. لكن التناقض يظهرعندما يسافر هذا الرجل إلى الغرب ويدرس مع فتيات يلبسن ملابس قصيرة وضيّقة لا يتجرأ على مضايقتهن، وإن رأى فتاة تلبس "البكيني" على الشاطئ لا يتجرأ على التحرّش بها. يخاف التحرّش بالمرأة الغربية لأن مجتمعها لا يسمح له بممارسة ذكورّيته كما يشاء، كما كان يفعل بالكويت، وسيحملّه المسؤولية كاملة إن هو تعرّض للمرأة وتحرّش بها، ولن يفيده الهراء الذي يردده في الكويت "أنا رجل ولا أستطيع التحكّم بغرائزي، لذلك من واجب المرأة الاحتشام عنّي". بمجرّد عبوره حدود بلد يحترم المرأة وحريّتها نجد الكويتي يحترم حريّة المرأة باللباس غصباً عنه ويتحكم بغرائزه غصباً عنه. ومن هنا يتضّح أن الأمر لم يكن يوماً يتعلّق بالغريزة، بل بالمجتمع المنافق الذي يسمح للرجل بالتمادي، ويلوم المرأة على مدى احتشامها.













17 Feb 2019

الشرع والقضاء ينظر نظرة احتقار للمرأة وعقلها




إذا أرادت المرأة الكويتية أن ترفع دعوى نفقة أو طلاق للضرر في المحكمة ، أي أنها متضررة بسبب العنف أو سوء العشرة أو عدم الإنفاق يجب أن تحضر شهوداً ليشهدوا أمام القاضي أن كلامها صحيح. وبما أن قانون الأحوال الشخصية الكويتي مشتق بالكامل من الشريعة الإسلامية فالشهود يجب أن يكونوا رجلان، أو رجل وامرأتان. حسب الآية القرآنية "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ" من سورة البقرة

تفسير الآية هو أن المرأة عقلها ضعيف مقارنةً بالرجل وأنها تنسى كثيراً، وبالتالي عقل امرأتان يعادل عقل رجل واحد. بالطبع هناك ظلم وتحقير شديد في هذا التفسير للمرأة وعقلها.

لكن المشكلة والمعضلة الحقيقية هو ما تواجهه المرأة عندما تلجأ للمحكمة. في كل مرّة تريد المرأة الكويتية أن تطالب بنفقة أبناءها يجب أن تحضر رجلان أو رجل وامرأتان ليشهدوا أن الأب لا ينفق على أبناءه، وفي كل مرّة تتعرّض الكويتية للعنف من قِبل زوجها أو أنه يأخذ أموالها بالقوّة ولا تريد الاستمرار بالعيش معه، يجب أن تحضر معها رجلان أو رجل وامرأتان ليشهدوا أمام القاضي أن ما تقوله حقيقة.

وماذا عن المرأة التي توفى والدها وليس لديها أخوة ذكور؟ أو ماذا عن التي لديها أخوة يمتنعون عن مساعدتها والوقوف معها والشهادة أمام القاضي؟ ماذا يحصل لهذه المرأة؟ الإجابة بكل بساطة، يضيع حقها.

في الكثير من القضايا التي ترافعتُ فيها عن زوجة كويتية معنّفة أو زوجة تُطالب بالنفقة كنّا نواجه هذه المشكلة، يأتي يوم جلسة شهادة الشهود فلا يكون لدى المرأة شاهد رجل، لأن أخاها الوحيد يرفض مساعدتها ووالدها متوفيّ، أو حتى والدها يرفض الشهادة لصالحها في المحكمة. في إحدى المرّات إحدى موكلاتي طلبت من زميلها بالعمل أن يقف معها في المحكمة ويشهد معها، كان والدها متوفي وقد توسّلت لأخاها أن يساعدها فرفض بحجّة العيب والسمعة! اضطرت أن تطلب من زميل عمل! طبعاً من الصعب جداً أن تطلب المرأة من شخص تعرفه معرفة سطحية ومهنيّة أن يحضر معها للمحكمة ويشهد معها بأمر شخصي ومخزي جداً كالعنف الذي تتعرّض له من قِبل زوجها.

في إحدى القضايا أكدت لي المرأة أن ليس هناك رجل في حياتها ليأتي ويشهد معها، حرّصت عليها مراراً أن تبحث عن أي شخص حتى لو قريبها من بعيد، أو جار، أو زميل عمل، لكنها أكدّت لي أنه ليس هناك أحد، فكّرنا ما الذي يمكن أن نفعله، فاقترحت علي أن تحضر أخواتها وصديقاتها، لديها أختان وصديقتان مقرّبتان تعرفان ما تمر به من مشاكل. وضّحتُ لها أن القانون يسمح برجل وامرأتان للشهادة لكن لا يسمح بأربع نساء. توسّلت إليّ أن نحاول حتى لا يضيع حقها، فشرحت لها أننا نستطيع المحاولة لكن للقاضي سلطة الرّفض. جاء يوم الجلسة وأحضرنا الشاهدات الأربعة ووقفنا أمام القاضي، فاشتطّ القاضي غضباً وأخذ يصرخ: "ما هذا!! أتسخرنَ من المحكمة!؟"، قلتُ له: "لا يا سعادة القاضي، كل ما في الأمر أن والد المدعيّة متوفي وليس لديها سوى أخ واحد، توسلنا إليه أن يقف ويشهد اليوم فرفض بحجّة العيب والسمعة، لذلك أحضرت السيدة أخواتها وصديقاتها اللاتي يعرفن عن تفاصيل معاناتها مع زوجها والعنف والظلم الذي تتعرّض له، وبما أن الشرع يعتبر عقل امرأتان عن عقل رجل احضرنا أربع نساء". فزاد غضبه وصرخ بوجوهنا جميعاً "احضروا لي رجالاً أريد رجالاً"، لم يسمع شهادة النساء، وهددنا برفض الدعوى تماماً إن لم نحضر له رجالاً، وضاع حق المرأة لأنها لا تعرف رجلاً يشهد لِصالحها في المحكمة.












16 Feb 2019

هرم القمع والإضطهاد




القمع والاضطهاد هو مرض اجتماعي سياسي يعتمد على "الفوقيّة". ففي النظام الأبوي يكون هناك سلطة ذكورية مستبدة (متمثلة بالأمير) تجثم على البلاد وتراقب: إن تكلّم هذا بكلمة مخالفة للسلطة سجنته، وإن ذاك عبّر عن رأي مخالف لرأي السلطة عاقبته، وإن ارتدت تلك ملابس لا تتماشى مع الفكر السائد تم تهديدها بجهنّم وبجواز اعتداء الرجال عليها، وهكذا..

النظام الأبوي المستبد الذي يحكم الدولة ويتسلّط ويضطهد، تنعكس صورته في الأسرة، فتحت النظام الأبوي الرجل الكويتي مقيّد ومُضطهد يتحكم رجل آخر (غالباً والده) بمصيره، يجبره على تخصص دراسي معيّن، يختار سيارته ويشتريها له، يقوده باتجاه وظيفة محددة، لا يختار الرجل الكويتي زوجته حسب رغبته، بل حسب ضوابط حددها له المجتمع مسبقاً، أو يُجبر على الزواج من ابنة عمه أو من قبيلة محددة، لا يختار أسماء أبناءه بل يجبر على التسمية على أباه، أمه، جده، إلخ، لا يختار عدد أبناءه فالمجتمع يفرض عليه إنجاب ثلاثة على الأقل. وفي مجتمع يكون الرجل فيه دائماً مُراقَب كي لا يخطئ، لا ينضج الرجل أبداً. لأن النضوج يعتمد على ارتكاب الأخطاء والتعلّم من التجارب. لذلك فالرجل الكويتي سطحي وهش لا يحسن التصرّف ولا يتقن اتخاذ قرارته ويحتاج لمن يتخذ قرارته بدلاً منه. ويظل معتمداً على والده أو حكومته بتوفير حياة كريمة له حتى بعد تقدّمه بالسن وبناءه لأسره، يظلّ دائماً معتمداً على غيره في رزقه. ولأن الرجل الكويتي يشعر بالضعف تحت سيطرة السلطة الأبويّة التي تتحكّم به، لا يشعر بكيانه ولا حريته فهو يحتاج لشخص يقوم هو باضطهاده، حتى يشعر بشيء من القوّة، فيضطهد المرأة التي هي أضعف منه جسدياً، يحدّ من حريتها، يحدد لها ما يجوز وما لا يجوز لها فعله، لبسه، قوله، التفكير به، يُحقرها، ويصغّرها عن طريق اسكاتها، تهميشها، والضحك على رأيها، وفي الكثير من الأحيان يضربها ويعنّفها كوسيلة للتعويض عن ضعفه وانكساره وانعدام حيلته تحت ضغط السلطة الأبوية عليه.

المرأة بدورها تشعر بالاضطهاد والانكسار تحت سلطة الرجل الأبوية الذكورية، تشعر أن الحريّة الوحيدة المتاحة لها هو اللعب بشكلها الخارجي، فتقضي حياتها بالخربشة بالمكياج على وجهها كالدمية حتى يُخيّل لها أنها تملك خيارات، وتلبس وتخلع الثياب حتى يبدو لها ولو للحظة أنها حرّة وأنها تحيا، وإن كانت ربع حياة. ولأنها مضطهدة فهي تبحث عمن تستطيع أن تمارس عليه الاضطهاد، فتضطهد الخادمة لأنها أضعف منها، تحد من حريّتها، تحدد لها ما يجوز وما لا يجوز فعله، لبسه، قوله، والتفكير به، تحقّرها، وتعنفها، وتدفنها تحت الأعمال المنزلية التي لا تنتهي حتى تشعر أنها ذات سلطة وذات قرار. وفي الكثير من الأحيان ينصب اضطهاد المرأة على أبناءها وخصوصاً الإناث.

الأبناء بدورهم تعلموا التسلط والاضطهاد من الأب والأم، فإما أن يمارسونه على بعضهم البعض، الكبير على الصغير، والأخ على الأخت، أو يمارسونه على الخادمة كما تفعل ماما، أو يمارسونه على ماما كما يفعل بابا، أو يمارسونه على حيوان ضعيف، كالاستمتاع بحبس عصفور في قفص، ركل قطه، ضرب كلب، وهكذا..


الاضطهاد والقمع مرض "فوقي"، حتى أنني شاهدت موظف مصري يعمل عملاً وضيعاً في الكويت (حارس أو مندوب) يتسلط ويضطهد عامل النظافة الأسيوي، لأن الأسيوي هو الوحيد الأصغر منه، فيضطهده ليشعر بذاته.

لكن لكي نقضي على الاضطهاد يجب أن نبدأ من التحت إلى الفوق. أن نبدأ بالعصفور المحبوس في قفص الذي ندعي أنه يغني لنا فرحاً بحبسه، يجب أن نبدأ بتحرير أضعف مخلوق في هرم العنف الذي بنيناه أولاً. فما دُمنا نستمر بالعيش في وهم أن الطائر الحبيس يغرّد من شدّة فرحه وحبّه لسجّانه، سيستمر الأطفال بقمع وباضطهاد بعضهم البعض، ستستمر المرأة باضطهاد الخادمة، والرجل باضطهاد المرأة، والسلطة باضطهاد الرجل. وذلك لأنه أكثر الناس ظلماً، قمعاً، واضطهاداً هو ذاته أكثر من يُعاني من الظلم، والقمع، والاضطهاد.














12 Feb 2019

أمريكا تناقش تجارة الرقيق بكل شجاعة، هل الكويت تناقش مأساة البدون؟




شهر فبراير من كل عام هو الشهر الذي تحتفل فيه الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ الأفارقة "ذوي البشرة السمراء" أو

Black History Month

خلال هذا الشهر تحتفل أمريكا بالمفكرين السمر مثل "مالكم أكس" و "مارتن لوثر كنج" و "هارييت توبمان" و "روزا باركس" وغيرهم كثر ممن ساهم في انهاء عبوديّة الأفارقة في أمريكا. تجد محاضرات، وفعاليات، ومناقشة لكتب، وروايات، وشِعر، لكتّاب وشعراء من ذوي البشرة السمراء في كل مكان، وخاصة في المدارس للتلاميذ الصغار، والهدف من ذلك هو أهمية تعليم الصغار التاريخ الحقيقي لأمريكا وعدم نسيان ما حصل من تجارة للرقيق، ورفع شأن كل من ساهم في التغيير. 

ابنتي جوري أيضاً ملزمة بقراءة رواية

Day of Tears

للكاتب الأمريكي من أصل أفريقي "جوليوس ليستر"

الرواية جميلة وحزينة تحكي حياة طفلة أفريقية عمرها 12 سنة تم فصلها عن أسرتها وبيعها لخدمة أسرة أمريكية بيضاء، وتعكس الرواية شتى أنواع القسوة والعبودية واللاإنسانية التي كانت تُمارس من البيض على السمر في أمريكا.

ابنتي ملزمة بقراءة الرواية، وكتابة تقرير عنها، ومناقشة آراءها حول تجارة الرقيق في فصل اللغة الإنجليزية، لذلك كنتُ أتناقش معها البارحة عن الرواية، والنقاشات التي حصلت بين التلاميذ وبين معلمتهم في الفصل. سألتها هل تضايق أحد من عرض مثل هذا التاريخ المخزي؟ أو ادعى أنه ليس من الوطنية مناقشة ما فعله البيض بالسمر في أمريكا؟ أو أنه عار ويجب عدم مناقشته لأن فيه تشويه سمعة لأمريكا؟

قالت لي أن المعلّمة منذ البداية قالت لنا جميعاً أن مناقشة ما حصل من عبودية ليس تشويهاً لسمعة أمريكا، بل من واجبنا معرفة حقيقة ما حصل وعدم انكار الأخطاء، فلولا مناقشة الأخطاء والحديث عنها بكل وضوح وصراحة لما حدث التغيير أساساً، وأنه مهما كانت الحقيقة بشعة يجب مواجهتها وعدم انكارها، والأهمية الأخرى هو أن لا يحصل ما حصل ثانيةً من استعباد للضعفاء، فعصر عبودية السمر انتهى لكن لكي ننهي التمييز تماماً، ولا يُبخس حق أي ضعيف آخر من المهاجرين، أو الفقراء، أو من يعملون في المهن البسيطة.

طبعاً هناك اختلاف شاسع في أسلوب التعليم بين أمريكا والكويت، في منهج اللغة العربية في الكويت الذي تحوّل لتربية إسلامية لأن الكتاب غالبيته آيات وأحاديث، لا يقرأ التلاميذ قصة ولا رواية ولا يتم تشجيعهم على كتابة التقارير أو مناقشة الآراء في أي موضوع. بل يعطى بضعة أسطر سطحية عن موضوع الفلك أو النحل ويلقّن أن يجيب في الاختبار الإجابة النموذجية: "هذا يدل على قدرة الله". حتى أن الطفل لا يحقق أي حصيلة أو ثروة لغويّة تمكنّه من التعبير عن آراءه أو أفكاره.

لو كان الطفل في الكويت يقرأ رواية عن العنصرية والمعاناة التي يعيشها "البدون" في الكويت، أو لو كان يقرأ عن القسوة التي تتعرض لها عاملات المنازل، أو الوافدين ممن يعملون في المهن البسيطة الوضيعة، بدلاً من إنكار هذا الواقع وادعاء أن الكويت بلد الإنسانية، وأن الأمير الذي يدّعون أنه أمير الإنسانية يعلم حق العلم بالمأساة التي يعيشها البدون ويتغاضى عنها كأنها لا تعنيه. لو كان الأطفال يتعلمون عدم النفاق وانكار المشاكل والمآسي والتظاهر بعدم وجودها بحجة تشويه سمعة وطنهم لما استمرّت مأساة البدون لأكثر من ستين عام.










في الكويت تُسجن إذا فكرت وتُسجن إذا عبّرت

should have published this prior to December 29th 2018




سيتم محاكمتي قريباً بسبب تغريدة طلبت فيها من الله أن يرزقني بسيارة "فراري" وحقوق مساوية لحقوق الرجل.

خرجتُ مصدومة، بعد أن انتهى التحقيق معي في النيابة. هل نعيش في بلد تافه إلى هذا الحد؟ بلد يُحاكِم فيه الإنسان لأنه طلب من ربه سيارة وعدالة اجتماعية؟ ما الفرق بيني وبين من يطلب الرزق من ربه؟ ما الفرق بيني وبين من يطلب الإنصاف من ربه؟ إن كان هذا المجتمع المنافق ينظر لله على أنه إله غاضب ساخط لا يقبل أن يوجه له الدعاء بعفوية ومن دون مبالغة في الألفاظ، فالله بالنسبة لي هو الرحمة التي ألجأ لها بكل بساطتي وعفويتي ومن دون تكلّف، وأحياناً بأسلوب الفكاهة. ولِمَ لا؟ أنتم ترونه مخيف، وأنا أراه عطوف. أنتم ترونه متكبر، ومتعالٍ، وقاسٍ، وأنا أراهُ رحيم ومتواضع. لا يمكن لمن خلق شيئاً بجمال ورِقّة الزهور أن يكون قاسٍ. لا يمكن لمن خلق وداعة الطفل أن يكون محباً للعِقاب 

 وأنا في طريقي إلى البيت، كان لهيباً يشتعل في صدري. سأكتب (قلتُ في قرارة نفسي باصرار) سأكتب أن الحكم في الكويت هو حكم أُحادي مستبد وظالم، يتفنن في اضطهاد شعبه. ٍسأكتب أن حرية الرأي وحرية التعبير معدومة في الكويت، وأن الدستور الكويتي الذي يدعون أنه "يكفل" الحقوق والحريات ما هو إلاّ نكتة ساذجة، ثقيلة مللنا من ترديدها إلى أن صارت لا تضحك أحد منّا، فلا وجود لحرية الرأي في بلد فيه مئات من سجناء الرأي، وعشرات المهجّرين قسراً. الدستور الكويتي ما هو إلا أداة تستخدمها السلطة القامعة لتزج عددٌ أكبر من شعبها في السجون. سأكتب أن هذا البلد التعيس، ببرلمانه الأتعس يسن القوانين القامعة الظالمة ليجد وسائل جديدة لسجن شعبه

وصلتُ البيت وما أن بدأت حتى اتضح لي أنه سيتم استدعائي للنيابة ثانيةً إن استمريت فيما أكتب. ففي الكويت لا تُسجن فقط لأنك قلت ما يضايق السلطة في تعريفها العفِن للدين، لا. بل تُسجن أيضاً إذا تذمّرت من شدّة الظلم الواقع عليك. تُسجن إذا تجرأت أن تقول الحقيقة، تُسجن إن تجرأت أن تصبح المرآة التي تعكس لهذه السلطة الظلمة ظلمها. تُسجن إذا فكرت، وتُسجن إذا عبّرت عن فكرك.

لم يعد هذا المجتمع التعيس صالح للعيش، ولم تعد هذه البقعة التعيسة من الأرض وطناً، لا خيار لي سوى الهجرة.

















12 Nov 2018

قضية منع الكتب في الكويت




صدر قانون المطبوعات رقم 3/2006، ليضع بعض القيود على ما يجوز وما لا يجوز نشره، ونوعيّة الكتب التي يجوز استيرادها. المادة (7) من القانون تنص على أن الكتب المستوردة يجب أن تخضع لرقابة الإعلام، لكن المشكلة الأكبر هي في مادة (21) التي تحدد ما لا يجوز نشره في الكتب، تنص المادة على التالي:



يحظر نشر كل ما من شأنه:

1. تحقير أو ازدراء قانون الدولة

2. إهانة أو تحقير رجال القضاء أو أعضاء النيابة العامة أو ما يعد مساساً بنزاهة القضاء وحياد يته أو ما تقرر المحاكم أو جهات التحقيق سريته

3. خدش الآداب العامة أو التحريض على مخالفة النظام العام أو مخالفة القوانين أو ارتكاب الجرائم ولو لم تقع الجريمة

4. الأنباء عن الاتصالات السرية الرسمية ونشر الاتفاقيات والمعاهدات التي تعقدها حكومة الكويت قبل نشرها في الجريدة الرسمية إلا بإذن خاص من الوزارة المعنية

5. التأثير على قيمة العملة الوطنية أو ما يؤدى إلى زعزعة الثقة بالوضع الاقتصادي للبلاد أو أخبار إفلاس التجار أو الشركات التجارية أو المصارف أو الصيارفة إلا بإذن خاص من المحكمة المختصة.

6. كشف ما يدور في اجتماع أو ما هو محرر في وثائق أو مستندات أو مراسيم أو أي أوراق أو مطبوعات قرر الدستور أو أي قانون سريتها أو عدم نشرها، ولو كان ما نشر عنها صحيحاً ويقتصر النشر على ما يصدر عن ذلك من بيانات رسمية

7. المساس بكرامة الأشخاص أو حياتهم أو معتقداتهم الدينية والحض على كراهية أو ازدراء أي فئة من فئات المجتمع أو نشر معلومات عن أوضاعهم المالية، أو إفشاء سر من شأنه أن يضر بسمعتهم أو بثروتهم أو باسمهم التجاري

8. المساس بالحياة الخاصة للموظف أو المكلف بخدمة عامة أو نسبة أقوال أو أفعال غير صحيحة له تنطوي على تجريح لشخصه أو الإساءة إليه

9. الإضرار بالعلاقات بين الكويت وبين غيرها من الدول العربية أو الصديقة إذا تم ذلك عن طريق الحملات الإعلانية

10. خروج الصحيفة المتخصصة عن غرض الترخيص الممنوح لها





القيود التي تضعها مادة (21) مطاطية جداً وتساعد موظف الرقابة في وزارة الإعلام المنع حسب حريته الشخصية، فبند رقم 3 من المادة الذي ينص على منع الكتب التي "تخدش الآداب العامة" تتيح لموظف الرقابة استخدام معاييره الخاصة بما يعتبره خادش أو غير خادش للآداب العامة. وفعلاً، هذا ما بدأ يحصل منذ 2007 ، صارت الوزارة تمنع كتب كثيرة بناءً على أنها تخدش الآداب العامة، أو أنها تحرّض على قلب نظام الحكم، أو تمس العقائد والأديان. وبناءً عليه منعت أعداد هائلة من الكتب، والكثير منها لكتاب كويتيين، من روايات، قصص، شِعر، مجموعة مقالات سياسية، نصوص مسرحية للأطفال، وغيره.

الروائي سعود السنعوسي مُنعت روايته "فئران أمي حصة" على أساس أنها تمس الطوائف الدينية في الكويت، لكن روايته تدعو لنبذ الطائفية لأنها تحكي عن نظرة مستقبليّة يتخيّل فيها الكاتب كويت مفككة بالحروب الأهلية نتيجة تفاقم العنصرية والطائفية في المجتمع.

الروائية بثينة العيسى مُنعت روايتها "خرائط التيه" لأن الرواية تدور حول طفل كويتي يضيع من أهله ويتم اختطافه أثناء الطواف في مكّة (أثناء تأديتهم للحج) وتبدأ رحلة البحث عنه، ويتعرّض الطفل للكثير من المآسي إلى أن يتم العثور عليه. تم منع الرواية على أساس أن فيها مساس بالمملكة العربية السعودية، لكن الرواية تُباع في السعودية وفي مكة بالتحديد! وفي كافة دول الخليج، كما أن رواية السنعوسي (أعلاه) تُباع في السعودية وفي شتى دول الخليج.

أحد الصحفيين الكويتيين، جمَع مقالاته (التي تم نشرها مسبقاً في الصحف اليومية) في كتاب، فمُنع الكتاب باعتبار أن طبيعة المقالات سياسية!

قصة أطفال اسمها "حورية البحر" تستهدف الطفل ما بين سن 5 و 7 سنوات منعت لأن على غلافها صورة حورية البحر، و تم تعليل المنع بأن الصورة فيها إيحاء جنسي.

الكاتبة هبة حمادة تكتب نصوص مسرحية للطفل، تم رفض عدد من نصوصها لأن أحد الشخصيات في النص اسمه علي! وإحدى الشخصيات اسمها عائشة!

وهناك كتب اقتصادية، وفلسفية، ودينية، وشعر و خواطر كلها تم منعها بسبب أنها تخدش الحياء العام.

عبّر الكتاب، الأدباء، ودور النشر عن رفضهم وسخطهم أكثر من مرّة خصوصاً أثناء معرض الكتاب السنوي، وأقاموا بعض الاعتصامات والندوات، لكن من دون جدوى، استمرت الرقابة بالمنع.

في كل مرّة ترد وزارة الإعلام أنه يحق للكاتب التظلم من قرار المنع لكن اللجنة التي تنظر التظلمات هي ذاتها التي أصدرت قرارات المنع! فلن يكون هناك حيادية في اتخاذ القرار. كما تدعي الوزارة أنه يحق للكاتب اللجوء للقضاء، وطبعاً يجب على الكاتب توكيل محامٍ ودفع أتعاب وانتظار مدة طويلة إلى أن يصدر حكم المحكمة، وفي كل مرّة يصدر حكم المحكمة لصالح الكاتب، تستأنف وزارة الإعلام الحكم ويقضي الكاتب سنوات إضافية في المحاكم مطالباً في حقه في نشر أفكاره!

تدعيّ وزارة الإعلام أن أعضاء لجنة رقابة الكتب هم أفراد على درجة عالية من العلم، ومنهم أكاديميون، و بعض من أعضاء رابطة الأدباء. لكنهم منعوا كتباً لأنه ترد فيها كلمة "نهد"، وكتب أخرى وردت فيها كلمة "الرب"، مدعين في ذلك أن كلمة "الرب" مستوحاة من الديانة المسيحية، وأنهم يخشون على الأطفال والنشء من أن يتعودوا على استخدام هذا اللفظ الذي لا يتماشى مع الدين الإسلامي.

بعد ضغط عدد من الأدباء على نواب مجلس الأمة لتبني القضية بصورة جدية أكبر، وجّه النائب خالد الشطي (هذا حصل مؤخراً قبل بضعة شهور2018) سؤال لوزير الإعلام؛ بأن يفيده بعدد الكتب الممنوعة في الكويت، ولماذا تم منعها من قبل وزارة الإعلام؟ جاء الرد على شكل 16 صندوقاً كبيراً مليئاً بالكتب الممنوعة. وقد وصل عدد الكتب الممنوعة في الكويت اليوم إلى 4590 كتاب تم منعها خلال الخمس سنوات الأخيرة.

تم دراسة التقارير المرفقة مع كل كتاب والتي تبيّن سبب المنع، وكلها كانت في إطار: "خدش الآداب" و"التأثير على العقائد"، و "مساس نظام الحكم".

الأمر الذي دق ناقوس الخطر لدي أنا ومجموعة من الأفراد المهتمين بالكتب، المحبين للقراءة، بالإضافة للكتاب والأدباء طبعاً. هو أنه مؤخراً تم منع كتب كانت تُباع في الكويت منذ عشرات السنين: كتاب نهج البلاغة، أشعار أحمد مطر، روايات ومسرحيات وأشعار غسان كنفاني، أشعار نزار قباني، أشعار فهد العسكر، كتب الدكتور أحمد الخطيب، كتب الدكتور على الوردي، روايات واسيني الأعرج، كتب عبدالرحمن منيف، روايات ناصر الظفيري، روايات غابرييل غارسيا ماركيز، روايات دوستويفسكي، وفيكتور هيوغو، وجبران خليل جبران، وآخرين كثيرون.

 وقفنا في اعتصامنا الأول أمام وزارة الأعلام، في يوم السبت، 1 سبتمبر 2018، أنا وابنتي ومجموعة من طلابي وطالباتي، وبضعة من المهتمين لنظهر احتجاجنا على الرقابة التعسفية، وكان عدد الحضور قليل، 40 شخص فقط. وفي نفس اليوم نشرت وزارة الإعلام تصريح بأن الكاتب المتضرر يحق له التظلم أو اللجوء للقضاء.

ذهبت لمقابلة وزير الإعلام لنظر ما إذا كان هناك مجال للنقاش والوصول لحل، بالرغم أنه القانون الذي يحتاج تعديل، وبالتالي الأمر من اختصاص مجلس الأمة، لكن من الضروري بالنسبة لي معرفة وجهة نظر الوزير، فذهبت مع مجموعة من المهتمين لمقابلته، وقد أكّد لنا أنه ليس هناك تعسف وأن لجنة الرقابة تقوم بدورها وفقاً للقانون، لكنه على استعداد للتعاون معنا. وجهنا عدّة له مطالب، منها: جعل الرقابة على الكتب لاحقة وليست سابقة، فالرقابة على الصحف في الكويت لاحقة؛ الصحف تُطبع وتُوزّع وإذا شعر الأفراد أن فيها مساس بالدين أو الآداب العامة استطاعوا اللجوء للقضاء. طلبنا أيضاً تعديل مادة (21) من قانون المطبوعات لأن هذه المادة عامة جداً وتسمح لموظف الرقابة استعمال معاييره الشخصية في قراراته بالمنع. وطالبنا بإطلاق سراح كل الكتب الممنوعة. وأخيراً أن يتم استبدال أعضاء لجنة الرقابة بآخرين من الأدباء والكتاب والمثقفين. لم يوافق الوزير على أي من مطالبنا لكنه أقر أنه مستعد لتشكيل لجنة من الأدباء من تزكيتنا، وهذه اللجنة تشرف على لجنة الرقابة الموجودة. وبالرغم أن هذا الاقتراح سيّء جداً ولن يؤدي إلاّ للمزيد من البيروقراطية، إلاّ أننا اقترحنا عدّة أسماء من الكتاب والأدباء، وبعد أن تحدثنا معهم عن تشكيل هذه اللجنة أبدوا رفضهم القاطع باعتبار أن رقابة الكتب هي ضد كل مبادئهم ككتاب ومفكرين.

عُدنا للوزير مرّة أخرى وطلبنا بأن تكون اللجنة الجديدة مكونة من مجموعة من الأكاديميين، وأن تكون ذات سلطة حقيقية وليست مجرّد لجنة شكلية أو اشرافية على لجنة الرقابة الموجودة حالياً. مازال التفاوض مستمراً.

أقمنا اعتصامنا الثاني في يوم السبت 15 سبتمبر، في ساحة الإرادة، وحضر الاعتصام 200 شخص. حيث بدأ الأفراد باستيعاب أن هناك مشكلة حقيقة، وليست مجرّد محاولة لفت نظر الكاتب لكتابه الممنوع.

تكلمنا مع النواب، لم نجد منهم الكثير من التجاوب. وقد طلبتُ من أحد الزملاء المحاميين رفع دعوى مضمونها عدم دستورية قانون المطبوعات رقم 3/2006 لأنه يتناقض مع الحقوق والحريات التي ينص عليها الدستور الكويتي، وقد بدأ في إجراءات الدعوى، تطوعاً، من منطلق مسؤوليته الاجتماعية.

نحن الآن نسعى لخلق وعي اجتماعي، نريد للمجتمع أن يدرك ويعي أن الموضوع جدّي، فهناك من يقول أن المنع أمر تافه لأن كل الكتب موجودة في الإنترنت، والرد على ذلك أن من يمنعنا من قراءة الكتب اليوم، لن يتأخر عن حجب المواقع الإلكترونية، ومنع استيراد الكتب من الخارج، وبالفعل تم حجب بعض المواقع، ويتم ايقاف أي كتب تصل للجمارك واحالتها لرقابة الإعلام حتى لو كانت لاستعمال الفرد الشخصي (أي ليست للبيع). نريد أن نحمي المكتبات، نريد أن نحمي معرض الكتاب (الذي صارت الكثير من دور النشر العربية تمتنع عن المشاركة فيه بسبب قيود وزارة الإعلام)، نريد للمجتمع أن يدرك أن ما يحصل هو تعدي واضح على حقوقنا وحرياتنا كأفراد، وأنه يمسنا جميعاً وليس فقط الأدباء أو الكتاب، وأن المدافعين عن الكتب ليسوا فقط الطبقة المثقفة، أو مجموعة علمانيين، أو ليبراليين، بل كل أطياف المجتمع.

 اعتصامنا الثالث كان السبت، 29 سبتمبر، في ساحة الإرادة، ساعة واحدة، من 5-6 مساءً، و كان عدد الحضور جيد لكن أقل من الاعتصام السابق.

نريد أن نستمر بالضغط على النواب لكي يكون هناك تحرّك جاد، نريد أن نثبت لوزير الإعلام أننا لن نصمت، لن نسمح بهذا التعسف، أننا نرفض وصايتهم على عقولنا، أننا نرفض رقابة الدولة لأننا نمتلك رقابة ذاتية، ومن حقنا قراءة ما نشاء، وليس للدولة الحق في مراقبة ما نقرأ.

سنعتصم للمرة الرابعة يوم الأربعاء 14 نوفمبر أمام صالة 5 في معرض الكتاب، لساعة واحدة 4-5 مساءً

ما نحتاج إليه هو الدعم، نريد الأفراد من كل أطياف المجتمع أن يشاركوا، نريد أن نقف جميعاً ضد المنع.

القراءة ليست ترف، بل حق أساسي، ومن يمنع الكتب فهو في الحقيقة يمنع التعليم، لأننا نكتسب معظم ثقافتنا ومعلوماتنا من القراءة.


في الأسفل صور لعدد بسيط جداً من الكتب الممنوعة في الكويت، ويظهر فيها أن الكتب الدينية الإسلامية أيضاً تتعرّض للمنع، وليست فقط الكتب التي تدعي وزارة الإعلام أن فيها دعوة للانحلال الخلقي أو الإلحاد:
















15 Oct 2018

لماذا أنتن النسويّات غاضبات؟



قد يكون لأن الفرح والفخر والاهتمام بالمولود الذكر أكبر بكثير منه بالمولودة الأنثى.
قد يكون لأن أوّل ما يتم تعليمه للبنت الصغيرة هو "ضميّ رجليكِ" و "اصمتي" و "عيب".
قد يكون لأن أوّل درس يتم تعليمة للفتاة عندما تكبر قليلاً هو "لا تقتربي من الأولاد، لا تتحدثي مع الأولاد، لا تثقي بالأولاد حتى لو كانوا من أقاربكِ لأن الولد يريدُ فقط استغفالك، واستغلالك". لكنه لا يتم تعليم الولد أن عليه احترام الفتاة، وأنه لا يحق له التطاول عليها.

قد يكون لأننا نرى الفرق في التعامل بيننا وبين أشقاؤنا الذكور، فهم يحصلون على الحب، والدلال، و الاحترام، والاهتمام، والفرص. حقوقهم وحرياّتهم غير مقيّدة، يخرج و يعود متى ما شاء، يسافر متى ما شاء، يصاحب الفتيات كما يشاء، يخطئ كما يشاء. أما الفتيات فيتم مراقبتهن، وتقييد حرّيتهن، واسكاتهن، وتوبيخهن، ومحاسبتهن، وتصغيرهن، وتعنيفهن، وتحقيرهن.

قد يكون لأنه يتم فصل الفتاة عن آدميّتها من عمر صغير جداً؛ فيقال لها حلوة كالقمر، رشيقة كالغزال، أو قطوة، أو ثعلوبة لتشبيهها بحيوان جميل ماكر، أو باللهجة العامية "شحلاتها كلبة"، أو "مزّة" ومعنى مزّة: ما يمزمز بها السكران، شارب الخمر ليغطي رائحة الخمر الكريهة التي تفوح من فمه، فيدفع السكران لفتاة من فتيات الليل لتقبله و تلغي بتقبيلها رائحة الخمر التي تفوح من فمه، حتى صارت كلمة "مزّة" تستخدم لفتيات الليل اللاتي يبعن أجسادهن بمقابل. بل حتى في الّذم والإهانة يتم فصل المرأة عن آدميتها فيقال عن المتسلطة "نسرة" والماكرة "ثعبان".

  قد يكون لأنه إذا تجرأ رجل على لمسي، أو هتك جسدي، أو حتى اغتصابي بالقوّة فهو ذنبي وليس ذنب الرجل؛ ويتم مساءلتي ماذا كنتِ تلبسين؟ لعل ما كنتِ ترتدينه أغراه؟ لماذا كنتِ لوحدكِ؟ لماذا لم تُقاوميه؟ هو خطأوكِ أنتِ لأنكِ ذهبتِ إلى ذلك المكان. أما الرجل فلا يُلام على تطاوله على جسد المرأة.

قد يكون لأنه إذا ذهبت المجني عليها للمخفر لتقديم شكوى ضد رجل تطاول عليها (تحريض على الفسق والفجور، هتك عرض، أو مواقعة بالإكراه) يجتهد المحقق في اقناعها أن لا تستمر بالشكوى لأن ذلك سيؤثر سلباً على سمعتها و سمعة أسرتها، خصوصاً إذا كانت فتاة صغير غير متزوجة، فيقنعها أنها لن تستطيع الزواج، فالرجل سيتحاشاها عندما يكتشف أن هناك قضيّة جنائيّة مسجلة باسمها. فلا يهم بالمجتمع الكويتي الذكوري أن المرأة مجني عليها في هذا النوع من الجرائم، لأنه يلوم المرأة أياً كانت الظروف، فلا يُنظر للمرأة على أنها ضحيّة أبداً. 

 قد يكون لأنني أحقق دخل أقل من دخل الرجل حتى وإن كُناّ نؤدي ذات العمل، و نحمل ذات الشهادة العلمية، و لدينا نفس سنوات الخبرة.

قد يكون لأنني أرث نصف ما يرثه الرجل فقط لأنني امرأة

قد يكون لأنني إذا تزوجت من غير كويتي صار أولادي مهمشون، مضطهدون، محرومون. أما إذا تزوج الكويتي بغير كويتية فتعيش زوجته التي يتم تجنيسها وأولادها منه براحة واستقرار

قد يكون لأنني أعيش في مجتمع لازال يردد أن تعليم المرأة مهم لأنها مربية الأجيال القادمة. فتعليمي ليس لي، لا يضيف لقدري أو قيمتي كإنسان في المجتمع هو فقط لتعليم ولإفادة الأجيال القادمة. بينما عندما يحصل الرجل على التعليم العالي يتم تقديسه

قد يكون لأنني إذا أحببت فأنا عاهر، فاسدة، ساقطة، غير محترمة، قد جلبت العار لأسرتي، وأفسدتُ شرف الذكور من أقاربي. أما الرجل إذا أحب، فهو فارس رومانسي.

قد يكون أن الزوج كلما تملل من وزوجته وأبناءه تركهم وسافر مع أصحابه. للرجل الحق بأخذ إجازة من أسرته لأنه يرى أسرته كوظيفة متعبة، بينما الزوجة عليها فقط الصبر والتحمّل والسكوت

قد يكون لأن لفظ "مطلقة" لايزال عار، وخزي، وانتقاص من المرأة وقدرها، لكن "مطلّق" لا عيب فيها

قد يكون لأنه يتم تلقين المرأة بوجوب اشباع كل حاجات زوجها النفسية، والذهنية والجنسية، وإلاّ فلا تستغرب تلك إن تزوّج زوجها بأخرى أو بدأ بخيانتها، فإشباع حاجات الزوج واجب المرأة. لكن إشباع حاجات الزوجة ليست واجب الرجل.

أتكفي كل تلك الأسباب لتكون النسوّية غاضبة؟ هل سيعدّ المجتمع الذكوري الأبوي الكويتي كل ذلك التمييز والظلم، والاضطهاد مبرراً كافياً لغضبنا نحن النسويات؟ أم أن كل ما ذكرته هنا غير مهم، وغير كافٍ، ولا يعتبر عذر يبرر غضب النسويّات؟ 

السؤال الأهم؛ لماذا يخشى المجتمع الذكوري الأبوي الكويتي غضب المرأة؟ يتقبّل غضب الرجل ويعتبره ردّة فعل إنسانيّة طبيعية، لكن المرأة إن هي غضبت فهي قليلة أدب وطويلة لسان، ووقحة، لأن المجتمع الكويتي يُفضّل الصامتة عن حقوقها، التي لا تتجرأ بالكلام والاعتراض على الواقع الذي ينتقص حقوقها ويقيّد حريتها، تلك يراها المجتمع ساقطة، كيف تتجرأ تلك الناقصة وتعترض على ما حدده لها الذكر من حدود دينيّة، اجتماعية، سياسية، واقتصادية؟ طبعاً لا يحق لها الاعتراض، يجب عليها أن ترضى، ترضخ وتصمت.

كما أن الغضب والصراّخ هو المرحلة الأخيرة التي يصل إليها الإنسان المُضطهد، المظلوم، المقموع. نرى الشعوب تُطالب بالتغيير، تنادي، تتكلّم، تكتب، تهتف، لكن إذا ما استمرّت السلطة القامعة لتلك الشعوب بالظلم والتمييز والاضطهاد، وتأكدت تلك الشعوب أنه حكوماتها القامعة لا تهتم، ولا تسمعها، ولا تأبه بما تعاني منه شعوبها، فستبدأ تلك الشعوب بالصراخ، ستعبر عن الغضب، ستخرج في الشوارع، ستتمرّد، ستستخدم العنف، والتخريب إن كان ذلك هو الوسيلة الوحيدة للفت نظر حكوماتها الظالمة الغافلة عن ظلمها.

لذا فإن غضب النسوياّت ما هو إلاّ ردة فعل طبيعية، لعدم الاستماع لمطالبهن، لعدم الاهتمام لهمومهن، لعدم الاعتراف بحقوقهن، لعدم إعطاء أي وزن أو قيمة لما يعانين منه من تمييز في المجتمعات الذكورية الأبوية.